الاثنين، 14 يونيو 2010

الحب يلتهم الفيروس "رواية "الجزء الثالث


الجزء الثالث 


7 ـ السّر... الأول

بدأ سيناريو قصة جديدة... لم تكن أبداً في مخيلة حمدان... ولا حتى في مخيلة أحد.
لقد انهار حمدان... وانهارت كل آماله... التي ظنها صَرْحَاً ممرداً... وانهارت معها كل أعصابه... ولابد أن راصدا لتلك الأحداث الغريبة... يتمنى لو أراح مشاعره... بتلك النهاية السعيدة... التي ارتسمت البسمة فيها على وجه شاب وشابة... يمثلان ورقة من الصفاء والرقة.
 ولكن... ربما كان لزاما على نافذة انفتح شقها الأول... عن بسمة وسعادة... أن تتسع أكثر... لتحتمل أحداث مستقبل جديد... لا يوحي بشيء من بوادر السكينة... على زوجين في ليلة زفافهما... ولعل أحداثا جديدة... تفي بإشباع الفضول المتزايد... تجاه معرفة السر (الثالث)... أو ربما السر الأول... الذي اكتنفه الغموض.
 قال حمدان مهتما:
- " ماذا بك يا ريم... هل أصابك سوء... ماذا دهاك... هل أصابك مس من الجنون "
- " كنت مجنونة... حين اخترتك زوجاً... بل كنت مجرمة..."
وضع حمدان يده على رأسه وهو يردد:
- " يال النكبة... ويلك يا حمدان... "
اتجه حمدان بوجهه نحو ريم... وقال في سذاجة:
- " الأمر بسيط... بسيط جدا... أطلقك... وكل يذهب لحال سبيله"
قالت ريم وهي تهتز من البكاء:
- " كلا... كلا... كلا... أرجوك"
... أمسكت ريم بيد حمدان... وضمتها إلى صدرها في حنان... وقالت:
-" أنت عظيم يا حمدان... أنت حبيبي... لا أريد أن أقتلك... يجب أن لا تموت... وكل من هم مثلك... يجب ألا يموتوا... يجب أن لا يقتلهم المجرمون من أمثالي... أرجوك أبعد عني...لا تقرب مني أكثر... كي لا تموت... احذر... سأقتلك..."
بدأ شهيق حمدان وزفيره يزدادان... تم اقترب حتى جلس بجوار ريم... على المقعد ذاته... وبهدوء، وضع يده على جبينها... كانت الهموم تتواثب على قلبه... وكان يحدث نفسه:
- " ما هذه المعضلة... يا حمدان"
 أوه... ولكن حمدان تذكر شيئا.
- " نعم إنه الحل"
أخرج حمدان مصحفاً صغيراً كان في جيبه... ثم قال بصوت ناعم:
- " حتما سيكون في كلام الله الدواء لكل داء"
فتح حمدان أول أوراق المصحف... وبدأ يقرأ بخشوع...
( الحمد لله رب العالمين... الرحمن الرحيم... مالك يوم الدين...)
واصل حمدان القراءة... أكمل سورة الفاتحة... كان صوته ساحراً جميلاً... يتسلل إلى أعماق قلب ريم الملهوفة... كأنما أوتي مزماراً يقرأ من خلاله... انتهى حمدان من قراءة الفاتحة... ولكن... لم يزل اضطراب ريم يزداد... ويكاد يقطع أطرافها المسكينة... إربا إربا... بدأ حمدان في قراءة سورة البقرة... كان للقراءة أثر على تهدئة أعصابها... ولكنه أثر بطيء... استمر حمدان يقرأ ويقرأ.. واستمرت ريم تسترخي بهدوء... مرَّ ما يقارب النصف ساعة... مسح حمدان على جبينه ما تكور من عرق... ريم تشعر أنها تحسنت كثيراً.
...أكمل حمدان قراءة سورة البقرة...
- " سبحان الله "
كأنما نار مشتعلة قد أطفأت... حمدان مندهش لذلك... لقد أصبحت ريم أكثر هدوءاً ووداعة... تصبب جبينها عرقا غزيراً... ونظرت إلى حمدان باعتذار... ثم أمالت رأسها إلى صدره... وقالت:
- " حمدان... يجب ألا تموت "
- " كوني معتصمة بالله يا ريم... إذا كتب لي الموت... حتما سأموت وليس لإنسان مهما كان، مفر من الموت عندما يكتب عليه"
- " المهم... أن لا يكتب موتك على يديّ"
- " مستحيل... لا أصدق أبدا... أن تقتليني... مستحيل... أنا لا أصدق بذلك... حتى ولو رأيت السكين في يدك... ولو رأيتك تحزين رأسي... لن يعدو أن يكون ذلك حلما سخيفا... من شيطان سخيف"
فتحت ريم عينيها بحزن ثم قالت:
- " حمدان..."
- " عينيِّ لك... قولي"
- " قررت أن أقول لك السر الثالث... أقصد الأول... لن أندم يوماً ما... على جريمة قتلك... لو قلت لك السر... حتما لن تموت على يدي"
- " عدنا لمواويل السر... قولي... أو لا تقولي"
- "حمدان... أنا مصابة... بمرض الإيدز... مصابة بالإيدز... هل فهمت... الإيدز... نعم... يجب أن تصفعني الآن... ويجب أن تركلني... أوه يا حبيبي... كم كنت دنيئة لحد الهوان... لأني حدثت نفسي بالأوهام... والأحلام... يجب أن أموت... أنا... يجب أن أموت... ويجب أن تبقى أنت... وليس العكس"


8 ــ الإيـــدز

بدأت التغيرات الجسام ترتسم على وجه حمدان... وبدأ عرق في جبينه  ينبض بقوة... وعادت له حالة الأحلام والأوهام من جديد...الأحلام التي أحس أنه كان يعيشها منذ ساعات...
- " ما هذا... لا يمكن لهذا كله أن يحصل... الحياة تبدو ألعوبة... وكل شيء يتقّزّم ...الإيدز... الشبح الرهيب... الذي سمعت عنه كثيراً... واقترن في ذهني بالكفار والمجرمين... يظهر أمامي الآن... وفي إنسان يمثل لي في هذه اللحظة... أشياء... لا... لا... هذه سخافة..."
 كاد حمدان ينفجر بالضحك... وكاد أيضا ينفجر بالبكاء... ولكنه ألقى عليها نظرة نارية... اصطدمت بعين ريم الكسيرة... أشبه برصاصة... أو قنبلة.
شهقت ريم... لم يكن بوسعها أن تحتمل ذلك... كادت تنفجر لتلك النظرة الرهيبة... كادت تموت هماً وغماً... ولكنها قالت في استسلام... وهي ترد على تلك النظرة:
- " اطمئن يا حمدان... اطمئن... أعرف فيمَ تفكر... ولكن ثق بأني لم أكن في يوم من الأيام... امرأة خارجة عن طريق العفة والحياء...صدقني... لم أكن ماجنة... أو منحرفة... حاشا لله... ولكنه قدري... نعم قدري... وهو فتنة واختبار... وأرجو أن أكون مؤمنة صابرة... ولكني بالتأكيد... كنت سأكفر أو أفسق... لو ابتليتك معي... بهذا الداء... وعندها ستموت نفس طيبة بريئة"
...ضَرَبَ حمدان بيديه على رأسه... كاد يصرخ بأعلى صوته... شريط الأحداث يتسارع... وشيء ما يكاد يخنقه... ربما اقتربت القيامة... وربما روحه خرجت من جسده... وربما لازال حياً... إنه يشعر أنه لازال حياً... ولكن شيئاً ما أفسد عليه حياته... دحرج نظرة أخرى... هي أشد جرأة واستفساراً... وجّهها نحو ريم... أحست ريم أن  نظرته تقول:
- " كيف أصبت بالإيدز... هذا مستحيل"
شعرت ريم بما يعتمل في نفسه... لذا قالت بلغة متلعثمة... بعد أن أمسكت بيد حمدان وأجلسته بجوارها:
- " اسمعني جيدا... وثق أني لا أقول سوى الحقيقة:
  قبل عدة سنوات... سافرت أنا وأمي للنزهة... كانت رحلتنا متوجهة إلى بلد جميل... ولم نكن ندري ماذا تخفي لنا الأقدار... بين لوحات جماله تلك... وكان ذلك البلد متقدماً لدرجة كبيرة... في الطب... وخاصة طب الأسنان... حينها كنت أشكو من تسوس في بعض أسناني... بالطبع كانت الفرصة مناسبة لعلاج تلك الأسنان... ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن... دخلت إحدى المستشفيات... وأصلحت أسناني... ثم أكملنا التمتع بالنزهة... شهر كامل... مر كأنه ساعة واحدة... وبعدها... قررنا الرحيل من ذلك البلد... والعودة إلى هنا... ولكن قبل الرحيل بيومين... يومين فقط... أصبت بآلام في بطني... دخلت المستشفى... أثبتت الفحوصات أني مصابة بأعراض الزائدة... قرر الأطباء إجراء العملية لاستئصالها... أجريت العملية واستؤصلت الزائدة... وحينها نُقل إليَّ دم آخر... وكانت تلك هي بداية المعاناة... كان ذلك الدم المنقول... يحمل فيروس الإيدز... نعم... كان ابتلاء كبيراً... الحمد لله... هذا قضاء الله وقدره"
حمدان ينظر بدهشة وتصنّم... ودموع صغيرة تتكور في عينيه... أكملت ريم وهي سعيدة لما تراه من تفاعله مع الأحداث:
- " لم نعلم ساعتها يا حمدان... بهذه النهاية الشنيعة لحياتي... عدنا إلى هنا... وبقينا ندرُج في نواحي حياتنا... ونحن لا نشعر بشيء... مرت خمس سنوات... أصبح عمري حينها خمس عشرة سنة... كانت جميع شؤون حياتي كما هي... لم أشعر بشيء... ولم أدر عما يجول بداخلي".
طأطأ حمدان رأسه... تم رفعه ثانية... إنه ينظر إلى المسكينة التي أمامه... عيناه تذرفان الدمع... ولعل قلبه يتقطع من جميع أنحائه... كانت شهقاته ترتفع بين الفترة والأخرى... ولكنه قال لها في حزن:
- " قولي لي... كيف عرفتِ إذن... أنك مصابة... كيف؟"
- " نعم... هذا السؤال مهم... كيف عرفت... عندما تقدم الشاب... الشاب الذي حدَّثَتْك أمي عنه... وقالت إنه تقدم لخطبتي... لقد اقترح علي... بعد موافقتي على الخطبة... وبعد عقد القران... أن نذهب لأحد المستوصفات... من أجل عمل فحوصات ما قبل الزواج... كنت سعيدة بهذه الفكرة... لم أعلم ساعتها أنني أتقدم نحو اللحظة التي سأعرف فيها أني سأموت... وأموت بداء الجنس... أوه كم هو مؤلم كل ذلك يا حمدان... أجريت الفحوصات... كان كل شيء سليما... إلا نتائج مختبر الدم... كان الطبيب متحرجا في الحديث عنها... ولكنه في النهاية... انفرد بخطيبي... أو بمعنى أصح... زوجي... مع أننا ساعتها لم ندخل بعد... المهم... أنفرد الطبيب به... كان الطبيب مقطب الجبين... لم أسمع ما قاله... ولكن زوجي قال لي حينها وهو بكامل غضبه:
- " أخرجي"
 خرجت... كانت علامات الحزن والغضب مرتسمة على وجهه... مسكين زوجي... لقد بقي مع الطبيب في الداخل... وأقفل أحدهما الباب بالمفتاح... وكنت لا أدري لماذا فعلا ذلك... وبعد لحظات... فُتح الباب... وخرج زوجي غاضبا أكثر من ذي قبْل... اقتربت منه لأسأله... ولكنه -سامحه الله- زمجر في غضب... و- بصق- في وجهي... نعم... بصق في وجهي وانصرف... كم كان فعله ذاك مؤلما... لم أكن أعلم ساعتها أنه كان ينظر إليّ بكل احتقار... وكان يرى بأني منحرفة... أوه... أمر مؤلم... وقاسٍ... بالتأكيد... لقد كان متأكدا بأني لم أصب بهذا الداء... إلا بسبب الحرام... إيه... كم... كان فعله ذاك... تحطيما لكل ذرات بدني... ساعتها... دخلت على الطبيب... وسألته... قال لي وهو مرتبك:
- " يا بنتي... هذا نصيبك... أنت مصابة بمرض خطير... "
لم يرد إخباري بالمرض... ولكن... بعد إلحاح كبير... قال لي:
- " أنت مصابة بمرض الإيدز"
حينها يا حمدان... كدت أضحك... من هذه النكتة الساخرة... الجديدة... حقاً كانت جديدة... ولكني أجْريْتُ يدي على جبهتي... فوجدت آثار البلل.... علمت حينها أن المسألة جد... وليست بالهزل... وأنها لم تكن مجرد نكتة... الغريب أنني لم أبكِ ساعتها على حالي... ولا على زوجي... بقدر ما بكيت على شيء آخر... نعم... شيء آخر... لعلك تعرفه... ولعلك لا تعرفه... الحقيقة... إنه أنت... نعم... يا حبيبي... أنت... بكيت عليك أنت... ذلك أني كنت موقنة تمام اليقين... أن ذلك الشاب... لم يكن ليصلح زوجا لي... لأنك أنت زوجي... لا أحد غيرك... كما أخبرني أبي... وعلمت حينها... أن قبولي بغيرك... أكذوبة مُرّة... كذبت بها على نفسي... وأيقنت أيضا... أنني لن أتزوج برجل في الدنيا... وأنك ستكون زوجي في الآخرة... قد أبالغ لو قلت لك... إنني ربما شعرت بشيء من الفرحة... لأنني سأموت بالإيدز... وألقاك في الجنة... أنت... نعم أنت... الهدية التي قدمها لي أبي... المهم... خرجت من المستوصف... بالطبع لم أجد زوجي... لقد ذهب وتركني... لقد تلاشيت من حياته... لأني كنت مجرمة في نظره... عدت إلى البيت في سيارة أجرة... قابلت أمي... وأخبرتها... أمي تألـَّمت كثيراً... ربما أكثر مما تألمت أنا... ساءت صحتها... والمشكلة الأكبر... أنها وللأسف... شكَّت في شرفي وعفتي... ولكني ذكرتها بالعملية الجراحية وبالدم الفاسد... وذكرتها أيضاً بالرؤيا... واستَوْحَيْتُ من الرؤيا... أنني سأموت قريبا...لألقى هدية أبي في الجنة... ويال خيبة أملي... مرت الأيام ولم يأت الموت... كنت أعمل لألقى الله... بعمل صالح... وألقاك في الجنة... ولكن لم أمت... وحتى اليوم... وكما ترى... صحتي ممتازة... بقيت أعمل للدنيا... وأعمل للآخرة... وانتظر الموت في كل لحظة... جسدي هنا... وقلبي هناك... عند الله... وفي الأيام الماضية... استبشرت... وخفت... لقد تكررت الرؤيا التي أراك فيها... علمت أنه الموت الذي انتظرته... ذهبت أنا ووالدتي إلى رجل يُؤوِّل الأحلام... أوَّل الرؤيا بطريقة غريبة جداً... قال لنا:
-" هل أنت مريضة"
- " ... قلت نعم..."
  قال:
-" يبدو أنك ستتزوجين قريباً... وبعد الزواج... هناك احتمالان..."
 قلت في لهفة:
-" وما هما؟ "
قال:
-" إما أن تشفين من دائك تماماً... وليس لك علاج إلا هذا الزواج... وأما الاحتمال الآخر... فهو أن يموت الزوج الذي يتزوجك... بنفس الداء... وتموتي بعده بقليل..."
 قلت له:
- " أعوذ بالله... وكيف تؤول الرؤيا بهذه الطريقة..."
 قال بكل هدوء...
- " هذا كل ما عندي..."
ولما عاودتني الرؤيا كثيراً... سألت أحد أطباء الامتياز... في المستشفى... عن زواج المصابة بالإيدز... هل فيه احتمال لشفائها وعدم إصابة زوجها... قال في عدم اكتراث:
- " ربما..."
قلت له:
- " وهل فيه احتمال لإصابة زوجها بالمرض وعدم شفائها هي منه"
قال أيضاً:
- " ربما..."
 ولا أدري هل صدق أم لا... مع أني أشك في كونه فهم السؤال... المهم... أخذت أنا ووالدتي أمر التأويل... بعدم اكتراث... وبقي يساورني تأويلي الخاص... بأنه موعد دنو أجلي وموتي... ولكن سبحان الله... خاب تأويلي... عندما فوجئت بك... ورأيتك... أنت... زوجي... رأيتك بشحمك ولحمك... أصبت ساعتها بالذعر... تخيلتك وأنت تصاب بالإيدز وتموت... وأيضاً تخيلت نفسي... وأنا أنعم بكامل صحتي... ولا يوجد بداخلي أي فيروس... وأنت سعيد بجواري... سنكون ساعتها كأجمل زوجين عرفتهما الدنيا... ولكني سرعان ما احتقرت نفسي كثيراً... لآمالي... لقد أحببتك بكل جزيئات جسمي... حتى فيروسات الإيدز... التي تعبث الآن في دمي... أحسست أنها أيضاً أحبَّت بقاءك... وأحبّت ألاَّ تلوث جسمك الطاهر... انْصَرَفْتَ أنت عني ساعتها... وبقيت الحسابات تدور في رأسي... وعندما عدت للمنزل... حدَّثت أمي في هذا الموضوع... صُدمت أكثر مني... حدثتها عن أملي في أن تكون زوجاً لي... كادت تصفعني... قالت:
- " أنت حقيرة يا ريم... إن فكرت بهذه الطريقة... تريدين أن تختمي حياتك بالقتل... أعوذ بالله... هل هذه آخر آمالي فيك... اقتليه... ثم موتي بعده بساعات... وقابلي الله بدمه..."
الدهشة لازالت تتزايد... وترتسم على كل ذره من جسم حمدان... قرأ آلاف الكتب، ورأى آلاف الصور... وخاض تجربة كبيرة... كل ذلك في أثناء سماعه لكلمات ريم... ولازال يسمع... ولازالت ريم تتحدث.
ولكن حمدان قطب حاجبيه... عندما عرف موقف أمها من الزواج... وأنها لم تكن لتسمح لريم بالزواج... وهي مريضة... وتسائل في نفسه... لماذا يا ريم... فعلت كل هذا... لقد أوشكت على قتلى... قرأت ريم كل ما كتب في قلب حمدان... ولكنها قالت وهي شبه مبتسمة:
- " لقد فَهِمَتْني أمي ساعتها بطريقة خاطئة... ولعلَّك أنت أيضاً... فهمتني حين صرختُ... في وجهك... منذ قليل... بطريقة خاطئة... هيهات... أبدا لن أُفكِّر في قتل إنسان... وأنا مختارة عامدة... لم أفكر للحظة... أن أتصل برجل... منذ عرفت أن جسمي يحمل خبثاً تنوء عنه الجبال... هل تلومني على ما فعلت... نعم... لك أن تلومني... ولكنَّ أملا صغيراً خالج نفسي... عندما رأيتك... لقد تذكرت تفسير الشيخ للرؤيا... لقد قال ربما تتزوجين... وتُشفين تماماً من المرض... ولا يصاب زوجك بمكروه... كبر هذا الأمل عندي حتى أصبح وعداً أكيداً... لسبب بسيط... هو أنك هبة الله لي... تضاعف أملي أكثر وأكثر... ثم قلت لأمي:
- " ربما يكون التأويل بنجاتي... ونجاته... هو الأصدق"
أطرقت أمي برأسها... وداعبها الأمل الجميل... الذي داعبني من قبل... ولكن الحقيقة شيء... والآمال شيء آخر... سمحت لي والدتي بالتعرف عليك... التعرف فقط... وأن أعرض لك مشكلتي... أن أشبع عيني بالنظر إليك... لم يعد لي طموح غير ذلك... استأذنت من والدتي في النظر إليك... قالت لي:
- "استفتي قلبك يا بنتي"
... وليلة البارحة... خلدت إلى فراشي... كان طموحي قاصراً على إشباع نظري... من وصية والدي لي... وليغفر الله لي ذنبي... وعندما أسلمت نفسي لنوم عميق... أتتني الرؤيا كفلق الصبح... أتاني والدي... كان يمسك بيدك يا حمدان... نعم بيدك... وكان يبتسم ابتسامة لم أرها في فمه من قبل... قال لي:
- "يا بنتي... لم العصيان... ها قد جاءك زوجك حمدان... خذي بيده للحياة السعيدة... إياك أن تفرِّطي فيه... ستسعدين معه سعادة كبيرة..."
 اختفى والدي... وتقدمت أنت... وأخذت بيدي... إلى المروج والأنهار... نعم... البارحة يا حمدان... قلت لأمي ما شاهدت في الرؤيا... دمعت عيناها... وقالت في تفاؤل:
- "الله كريم"
لم تقل كلمة أخرى... قلت لها:
- "هل أتزوجه"
- "لا أدري... ولكن إياك أن تلقي ربك بدم إنسان مؤمن... أنت مريضة"
- "قد أشفى يا أمي"
- "إياك أن تلقي ربك بدم مسلم..."
- "سيحضر الليلة يا أمي... وسترينه... وأعدك ألا أقتله أبداً..."
قامت أمي... وبقيت استرجع الرؤيا... اعذرني يا حمدان... فيما فعلت... لقد طمحت أن يكون لي زوج... فقط زوج... أو اسم زوج... أحببت أن أقول للناس هذا زوجي... تماماً كأي امرأة تقول... ذهب زوجي... أو جاء زوجي... لا أستطيع قول زوجي إلا بطريقة واحدة... وفي طيات نفسي المكسورة... إنها... زوجي بصق في وجهي... أو زوجي طلقني... أنا أتعذب يا حمدان... لقد تذكرت أبي... وتذكرت الحديقة الفيحاء... أحببت أن أراك بجواري... صدقني... أو لا تصدقني... المهم أنني صادقة عند نفسي... أحببت أن تربطني بكَ علاقة الأبوة... علاقة الأخوة... علاقة الصداقة... دون أيما اتصال... ولكن كيف؟... لن يتم ذلك إلا عن طريق الزواج... اقْتَنَعَتْ أمي بذلك... اقتنعت بعد تلك المواثيق المغلظة... على ألا تمسني... لقد كنت على أقوى عزم... لتنفيذ وعدي لها... وكنت أريدك ألا تعلم... بشيء من ذلك... لذا قلت لك سابقاً... أنا لا أهتم بشيء... إلا بكونك زوجاً لي... زوجاً ولو بالاسم... يحل لي النظر إليك... والحديث معك... والأنس والبهجة... ولن يكون غير ذلك... وفي هذه الليلة... كنت سعيدة معك... غاية السعادة.... لقد تحققت كل أمنياتي... وعشت معك هذه الساعات... وكأني أمحو هموم السنين وأحزانها... وعندما أردنا الذهاب للنوم... تنبهت لشيء لم يكن في حساباتي من قبل... أو كان في حساباتي ولكنه بدرجة أقل... لقد سمحت لي نفسي أن أتناساه... ولكني أحسست الآن بأنانيَّتي... حين حققت كل ما أريد... دون أن أفكر فيما تريد أنت... أحسست أني مخادعة... كاذبة... بكيت على نفسي... رأيت براءتك وأنت تستفسر عن حالي... وتخبرني أنك ستطلقني... لو طلبت ذلك منك... أحسست بأني ازددت إجراماً حين تلاعبت بمشاعرك... من أجل تحقيق مصالحي... وأحسست أن طيبتك تجعلك تتمادى في تناسي ذلك... من أجل الآخرين... تخيَّلت أن الإنسان الطيب... الذي أحببته... وأصبح في منزلة والدي... يقترب مني... فيصاب بالموت... لم أتمالك تحمل ذلك... دفعتك... وطلبت منك أن تنصرف بعيدا... لأني أحسست أنني إنسانة موبوءة... ولا يجوز أن يقترب السليم من الأجرب... تمنيت أنك تخرج بعيداً عني... وتمنيت ألا يتصل بدنك الطاهر بجسمي المليء بالسم.
 نعم يا حمدان... فبعد أن اكتشفتُ حقيقة أنانيتي... وتشَـبَّع قلبي بحبك... أيقنت أن بقاءك بجواري خطر عليك... لذا أخذت قراري بإخراجك من المنزل... صدقني... أخذته في لحظة حاسمة... أحسست أن من الأفضل أن لا تعلم أي شيء عني... وعلمت أنك ساعتها لن تبصق علي... بل ستسامحني لأنك أبي... وزوجي... وأنك ستنساني... وحينها... لن تموت بالداء الرهيب... الذي يحتل بدني... وسينعم بك أبناؤك وزوجتك... نعم يا حبيبي... كان قرارا صعبا على نفسي... ولكنه القرار الذي رأيت ساعتها أن فيه الصواب الأكبر... ماذا يضير فتاة تتقدم في طريق الموت... أن تُحرم ممن أحبته... عليّ أن أصبر... وعليّ أن أستمر في طريق حياتي القصير... حتى نهايته... دون أن أبني حياتي وسعادتي على شفا حلم.
ولكنك كنت أباً رحيماً أكثر من أي أب... لقد وضعت يدك على رأسي... وأعدت الروح إليّ بطريقتك الخاصة... التي علمك إياها الله... كما علَّم قبلك أهل الإيمان... وعلم قبلهم الأنبياء... نعم يا حبيبي... لقد كان لكل نبي معجزة من الله... ومن الأنبياء من كانت معجزته إعادة الأرواح... وأنت قرأت أعظم المعجزات... القرآن الكريم... الذي يحيي به الله القلوب والأبدان... وهو روح من أمر الله... كنت أستمع لتلاوتك... وأشعر أن إيماناً كالجبال يسكن في أنحاء جسمي... ويحل على خلايا بدني... ولعلي أحسست أنه سحق الفيروس... الذي لم يعد لعيناً الآن... لأنه ساعدني في ألاَّ أقتلك.
 فقط عندما آمن أنك يجب ألّا تقتل به... وها أنا ذي بين يديك... لك أن تبصق علي... ولك أن تسامحني... وتذهب إلى غير رجعة... ولك أن تسامحني وتكون أباً وصديقاً لي... أنا وكل ما أملك لك"
هذا بالضبط ما حدث... وهذا بالضبط ما قالته ريم... كلام سَمِعَتْهُ كل ذرات الهواء... وسمعته كل أنحاء القصر... ووقفت خاشعة... وسمعه حمدان... بكل انتباه... وعندما انتهى عرض السر... قام حمدان صامتا... وحمل قدميه... وانصرف للخارج... كانت ريم تلقي نظراتها الأخيرة... على ذلك الإنسان الذي أحبته بكل كيانها... وكانت دموعها تتدحرج على خديها مخرجة مشاعر الأسى والحرمان... حدثت ريم نفسها:
- " ما هذا يا حمدان... إنك تخرج الآن... وتخرج إلى الأبد... هل هذه هي نهاية الرؤيا... وهل هذه وصية أبي... يا الله..."
وضعت ريم وجهها بين كفيها... كي لا ترى حمدان... موليا إياها ظهره... وكان يخالط يأسها ذاك... بصيص من أمل... في عودة زوجها الذي انتظرته طويلا... مرت لحظات أشبه بالصمت... بعدها سمع صوت الباب الخارجي وهو يفتح... وسمع أيضاً وهو يغلق.
وجم كل شيء داخل القصر الكبير... إنها أسوأ ليلة عرس مرت على عروس... وهناك... على مقعدها الأنيق... بقيت ريم تتجرع ألمها بذل رهيب... كانت في حالها ذاك... تمسح دموعها... وتنظر لأجزاء بدنها الشاب... وتستحث الفيروس المخيف... الساكن في دمها... كي يقوم بعمله اللازم... ويساعدها في حلول موتها.
- " أوه... ما أكسلك من فيروس... لماذا لا تقتل فتاة تتمنى الراحة من كل هذه المعاناة"
لم يكن خروج حمدان... وإلقاؤه بكل عواطف ريم جانباً... بالأمر المتوقع... بالنسبة لريم... لقد كان أسف الفتاة على حالها مرا... وكانت تتساءل:
- "هل يمكن أن يكون أسى حمدان على حالي أكثر وأكثر...أم أنه يجاهد نفسه الآن ليتناسى كل حماقات الفتاة الثرية... التي لا تهتم بغير مصالحها"
حمدان خرج من المنزل... وهو أشبه بفاقدٍ الوعي... أو أشبه بالسكران... خرج في حركات أشبه بالحركات اللاإرادية... وعندما لفحه الهواء البارد في الخارج... دخل في أفكار أخرى... وأمامه هناك... نظر للمسجد... ليس هناك حل للمشكلة... اتجه للمسجد... دخل وتوضأ.


9 ـ (الأذان)

لم تُفق ريم من آلامها الرهيبة... التي تبعث في أعماقها لهيبا أقرب إلى حمم البركان الثائر... إلا على صوت ساحر... سرى في أحاسيسها أشبه بسريان الكهرباء في المصباح المنطفئ... لقد استطاع ذلك الصوت أن يعيد لها شيئا من مشاعر التحليق في سماء الوجد... أرخت ريم سمعها للصوت ثانية... لم تكد تصدق ما يحدث... إنه صوتٌ منقوش من قبل... على قسمات فؤادها الملهوف... إنه صوت أذان الفجر... ولكنه في هذه المرة... كان بصوت حمدان... وبمزمار حنجرته الجميل.
- " الله أكبر... الله أكبر..."
شعرت ريم... أن كل شيء كَبَّر... وكل شيء ابتهج... وإن المنزل قد مال كل شيء فيه... مع كلمة (الله أكبر)... ولو تكلم لصاح خلف نداء حمدان:
- " الله... الله"
لازال حمدان موجوداً... ولازال له أثره الطيب... يسري في الحياة... ويمنحها شيئا من الحب والأمان... لم يكن كما توقعت ريم... مكعب سكر ذاب... أو جسماً ابتلعته الأرض... كلا... إنه لا زال هنا... يبث حنانه من جديد... لتلك النفس المستكينة في استسلام كلي... والتي كادت أن تيبس... عندما خرج منذ قليل... ذلك الإنسان... الذي منحها شيئا من دفء الحياة.
 قامت ريم مأسورة بما سمعته للتو... وكانت قطوف البهجة تينع على وجهها اللؤلؤي... اتجهت للنافذة المطلة على المسجد... نظرت بصمت بليغ... وتحدرت عبراتها المبتهجة... وهي ترى المئذنة العالية... تُردد بخشوع... صوت زوجها الصالح.
كانت ريم تشعر أن المئذنة... هي التي تترنم بالصوت... وأنها هي التي تؤذن للفجر... أصبح حمدان عملاقاً صلباً يتكلم... أرادت ريم أن تحدث المئذنة وتخاطبها... أرادت أن تعانقها... لأن صوت زوجها ينطق على هلالها المرتفع.
لم يدم وقوف ريم طويلا... انصرفت للداخل... ثم توضأت... وعادت لحجرتها... وهناك لبست جلبابها الأسود... وانسابت إلى المسجد... مر الوقت سريعا... دخلت ريم إلى مصلى النساء... ووقفت للصلاة.
في هذا المكان... لم يزل يضم الزوجين... بناء واحد... البناء في هذه المرة... هو بيت الله... أنهت ريم صلاة السنة... وبقيت تسبح بخشوع... مر وقت هادئ... ولكن اللحظات السعيدة طالعت ريم ثانية... عندما سمعت صوت حمدان... في إقامة الصلاة... ريم لا تدري... لماذا شهقت... عندما سمعت حمدان... يلفظ آخر ألفاظ الإقامة... (لا إله إلا الله)... شهقت ريم... وكان تحدث نفسها بحزن:
- " إنه آخر لفظ... قد أسمعه من أبي... من زوجي... أوه لماذا يا حمدان"
اللحظات الحزينة مرت خلسة... وريم تداعب أحزانها وولهها... لم تعلم أن الحظ السعيد... كان على موعد جديد معها... كي يرسم بسمة على وجهها الحزين... بسمة هي أشد ما تكون حاجة لها... لقد سمعت صوتاً آسراً... يشيع في طوائف المسجد... عندما كبر حمدان... وكبر الناس خلفه... في تلك الصلاة بالذات... التي لم يحظر فيها  إمام المسجد... ليؤم فيها الناس... وحمدان من وجهة نظر مجاوريه هو الأجدر بالإمامة... لذا قدموه.
لقد خشعت ريم في صلاتها تلك... أيما خشوع... ولعل السبب في ذالك كان جليا... ركعتان اثنتان... وانتهت الصلاة... أوه... ما أسرعها من صلاة... وما أخفها... ليتها طالت وطالت... إلى الأبد... أخرجت ريم دمعتين على آخر كلمة ظنت أنها تسمعها من حمدان... (السلام عليكم ورحمة الله)... لم تسلم ريم من صلاتها بعد أن سلم حمدان من صلاته... كما يسلم كل المؤمنين... على الملائكة الكرام... وإنما التفتت يمينا وقالت... (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)... (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)... ولم تشعر ريم بهذا الخطأ.
بقيت ريم وقتا تسبح... ثم قامت... واتجهت خارج المسجد... كانت تريد أن تلقي نظرة أخيرة... على حمدان... وهو يخرج من المسجد... وقفت بجوار أحد أعمدة النور... وانتظرت بجواره... مر الوقت باردا وهي تنتظر في الهواء الطلق... حمدان لم يخرج... بدأت تنظر في نفسها... لقد شعرت بالخجل... من وقفتها تلك... وعبثاً... عادت ريم للوراء خطوات... ستلقي نظرة على المحراب... ربما رأت حمدان... بدت لها بوابة المسجد... ثم أعمدته... والمحراب... ولكن... للأسف... أين حمدان... ريم لم تر حمدان... كم كانت حسرتها فضيعة...
- " أوه... هل تأخرتُ داخل المسجد... وحمدان خرج مع الجموع الأولى... وذهب... وإلى الأبد"
حملت الفتاة الملهوفة خيبتها الكبيرة... على جوانب قلبها الكسير... وبدأت تتقدم في خطوات متثاقلة... نحو قصرها.

 

10 ـ الوهم والحقيقة

خطواتها أثقل من مشي السلحفاة.. ورأسها ثقيل... بالكاد تستطيع حمله... لا تزال صورة المحراب الخالي ماثلة أمامها... تهزأ بها مع كل خطوة تخطوها... وتؤنبها على روايتها المخجلة... وفي أثناء ذلك... تلتف الهموم على قلبها كإعصار كبير.
- " تريدين زوجا!! (هه)... تريدين أبا!! (هه)... ليس لك إلا نصيبك..."
شفتاها تتمتمان... وكأنهما تهجوان كل شيء من حولها... ارتطمت خطوة من خطوات ريم بباب القصر الكبير...
- " قبحت من قصر حقير"
 لقد وصلت الفتاة المسكينة أخيراً... إلى سجنها الجميل... يا ترى ما قيمة الجمال إذا كان الإنسان مسجوناً... ارتسمت صورة حمدان أمامها... عصفورها الجميل... الذي طار... ولم تحظ منه بنظرة أخيرة... ستكون تعيسة من اليوم... وإلى الأبد.
أدارت مفتاح الباب... إنه أشبه بمفتاح قبرها... دفعت الباب بهدوء... الصمت وحده هو من يتكلم هنا... والهدوء هنا قاتل... والحرمان يشي بكل معاني الحزن... وخطوات ريم الثقيلة... لازالت تسير بها للأمام... إنها ذاهبة لغرفتها الوثيرة... ستلقي بنفسها على السرير... وستنام نومة طويلة:
- " أوه... ليتها تكون نومة أهل الكهف... أو نومة أهل القبور"
نظرت ريم للبهو الكبير... حدثت نفسها في زهد:
- " الإسراف... نعم... الإسراف حرام... حرام يا ريم... "
 كان ضوء البهو الواسع يتَّقد... عليها أن تطفي الضوء... كي لا تلقى ربها وهي مسرفة... سارت الفتاة نحو البهو بهدوء... هواء عليل يجيئها من جهة القبة الكبيرة... في منتصف البهو... أشبه بنسيم الحياة... تقدمت ريم... أصبحت في داخل البهو... يال دهشتها:
- " ما هذا..."
 تمثال غريب... أهي الأوهام... إنه تمثال زوجها... يبدو منتصبا هناك... على المقعد... لا... لا... ليس تمثال... إنما هو وهم في ذهنها... هل دخلت ريم في عالم الهذيان... ولكن... يبدو التمثال جالسا بالفعل... مشاعر ريم مضطربة... ولكنها حتما سعيدة... لأنها رأت هيئةً زوجها حمدان... إنها هيئة تدخل الأمن والسكينة لقلب ظامئ... حتى ولو كانت هيئة خالية من معان الحقيقة.
وفجأة... حصل شيء مفاجئ... لم تتوقعه ريم مطلقا... لقد قام ذلك التمثال الجالس... وابتسم بسمة ساحرة... وتقدم بهدوء نحوها... ولكن:
- " ما هذا... إنه حمدان..."
ريم لا تستطيع أن تصدق... أبداً... زوجها موجود أمامها... هل هذا وهم أم حلم... أو ربما كان حقيقة... ربما... العواطف في قلبها الغض تلتهم كل أفكارها... لم تستطع ريم أن تتقدم أو تتأخر... ولم تستطع أن تصدق أو تُكذب... ما يدور أمام عينيها.
ولكنَّ حمدان تقدم... وتقدم... كانت بسمته تغطي وجهه الصبوح... وتكتسح كل هموم ريم... لتحولها إلى سعادة... وصل حمدان إليها... ومد يده مداعباً إياها... وعندما أمسك أذنها بلطف... قال:
- " من سمح لك يا(هانم)... أن تخرجي من المنزل... أتحسبين أنك لازلت (آنسة)... بلا زوج... هـ...هـ...هـ..."
أرادت ريم أن تضحك... ولكنها لم تفهم شيئاً مما حدث... لذا صرخت باكية.
قال حمدان:
- " ماذا بك يا ريم... لماذا تصرخين في وجهي... أنا في حاجة ماسة...  لابتسامتك الساحرة"
تراجعت ريم قليلاً... ثم ألقت ببدنها المنهك على الأرض... وقالت وهي تنظر إليه في رجاء:
- " هل أنت حمدان... حقيقة... أم أنك وهم وخيال"
- " لا أدري... ربما كنت حمدان... ربما كنت زوج (الهانم) ريم... هـ...هـ..."
وجدت البسمة طريقها بهدوء... إلى فم ريم... وزفرت زفرة طويلة... إيذاناً بتقبّلها لكل ما تراه... وتفهُّمه أيضاً.
جلس حمدان على الأرض... مقابلاً لريم... حمل يدها ثم وضعها على يده... رفعت ريم يدها الأخرى ووضعتها على يد حمدان... ثم قالت:
- " هل أنت حمدان؟!"
- " أجيبي أولا... لماذا خرجت من المنزل... دون إذن زوجك... هـ... هـ... هـ... هيا تأسفي واعتذري... هيا... هـ... هـ...هـ..."
طأطأت ريم رأسها... ثم قالت وهي تبتسم:
- " إني أذوب أسفاً!!!"
ضحك حمدان... وهو يرفع رأسه لأعلى... ثم قال:
- " أسفك مقبول... ولكن... قولي لي... هل من عادتك الخروج في مثل هذا الوقت"
- " كلا... ولكن صوتك يا حمدان... عندما رفعت به الأذان... هو من حملني حملاً على الخروج... لم أشعر إلا وأنا في شبه نَقَّالة... ترفعني وتخفضني"
- " الله شاعرة... شاعرة يا ريم... أكيد... تخرجين من التهمة... مثل الشعرة من الطين... آ... أقصد مثل الشعرة من العجين... هل تريدين أن أعطيك شعراً أيضاً... مثل شعري(السابق) !!... الذي سخرت منه... لقد كنت قاسية بهجائك لشاعريتي... أليس كذلك"
نظر حمدان لساعته... ثم قام مستعجلاً... وانطلق جهة الدّرَج... المفضي للدور الثاني... قالت ريم في قلق:
- " إلى أين"
- " سأجمع الأغراض"
- " لماذا"
- " الرحلة بعد ساعة..."
في تلك اللحظة... غُرست الخنجر الأخيرة في قلب ريم... كم تحمَّل قلب شابة ملهوفة... أصنافا لا تحتملها حتى الجبال... من مشاعر الأسى والحرمان... ولكن قلبا هذا حاله... سينهار لا محالة...
- " الرحلة بعد ساعة... ساعة واحدة فقط... ويطير العصفور الجميل... وتبقى الوحدة... والسكون"
أكمل حمدان:
- " الوقت يمضي بسرعة... ولا زال هناك حجز وانتظار... أرجو أن يكون في الطائرة بعض المقاعد الخالية... أوه... وقبل ذلك... يجب أن أتصل بأبي في المستشفى..."
قال حمدان كل ذلك الكلام... وهو غير مكترث بما حوله... إن حديثه عن سفره... يسير على لسانه بكل بساطة... وبدا وكأنه لا يأبه بمشاعر من حوله.
حدثت ريم نفسها... بما أعاد لها بصيصاً من أمل... قالت سراً:
- "هل تراه سيرجع... لو كانت الطائرة مليئة بالركاب... ليت الطائرة تعجز عن الطيران... ليتها تمتلئ بالركاب... ليت حمدان يعجز عن السفر... ولكن... هل معنى كونه لا يسافر... أن يعود إلى هنا... لم يعد لدي شيء يبحث عنه حمدان... سابقاً كان لدي سر أخفيه عنه... وكان يلح في معرفته... مع الأسف... أصبح السر عنده الآن... هل تراه سيرجع... لو لم يجد حجزاً على الطائرة أم لا... لا أستطيع أن أسأله... أو أتلفظ بطرف كلمة... لأعرف مصيري معه... لعله الآن يفكر في كتابة ورقة الطلاق... ليُلقي بها في وجهي... وربما بصق علي... مع مناولته للورقة... من حقه ذلك... نعم من حقه... سامحني الله"
عاد حمدان بسرعة... اقترب من ريم أكثر... نظرت إليه بلهفة... ثم قالت بتوتر:
- " في أمان الله..."
لم تشأ أن تقول... يا زوجي... وإنما أردفت مطأطئة رأسها:
- " حفظك الله يا حمدان"
...أردف حمدان بضحكة غير متوقعه... دكدكت جدران قلبها... لأنها كانت ضحكة ساخرة... توحي بشيء من الاستهتار... بعدها قال حمدان... بسخرية أشد:
- "حفظك الله يا حمدان...هـ ..هـ.. حفظنا الله جميعاً... هيا تحركي... هـ.. هـ.. حفظك الله.. يا حمدان!؟"
قالت في انفعال:
- " أتحرك؟...لماذا..."
- " ألم تسمعي... الإقلاع بعد ساعة... ساعة فقط"
- " وماذا تريد أن أعمل من أجلك"
- " اللهم طولك يا روح... الأغراض... أعدي أغراضك"
- " أغراضي... أنا!!"
- "أجل أغراضي أنا؟ ألا تعلمين أنه ليس لديَّ أغراض هنا... أغراضي في الفندق... بعد أن اختطفني خدمك بالأمس... إنها موجودة عند مأمور الفندق... هيا... يجب أن نسرع... وعلى أن أذهب للفندق... في طريقي ".
- " ولكن... لماذا أُعد أغراضي يا حمدان"
- " لنسافر"
- " أنت و... وأنا"
- " ماذا بك؟... نعم أنت وأنا"
- " ولكن... لا أدري ماذا أقول... أرجوك أخبرني الحقيقة... ماذا تقصد"
- " ماذا دهاك... سنسافر إن شاء الله... إلى مكة... صباح اليوم... على رحلة الساعة (10) من مطار الرياض لمطار جدة... ثم إلى الحرم... لأخذ العمرة... هل فهمت"
- " لكن... هل سآتي معك... أنا "
- "ماذا بك... ألست زوجتي"
- " ألن تطلقني... يا حمدان"
- " أطلقك... ما هذا الهذيان... ولماذا أطلق أحب إنسانة في حياتي... تذكر حمدان زوجته الأولى... طأطأ رأسه... هذه كذبة بيضاء... حتماً هو يحبها أكثر فهي أم أولاده... وحبُّه الأول"
ترقرقت مئات الدمعات في عيني ريم... وتزاحمت على الخروج... ثم خرجت أخيراً... وانطلقت ريم دون شعور... لترمي بنفسها الرقيقة... على صدر زوجها الحنون... وذرفت عينا حمدان... دموعا صادقة... واتصلت الدموع من هنا وهناك... وجرت الدموع... كأروع امتزاج امتزجه حب صادق... وامتزجت نفساهما البريئتان... وبقي الدمع الأكثر عذوبة... يجري على خدين متلاصقين.
لقد بردت كل الآلام... التي حواها جسم ريم الناحل... ومع آخر قطرة انقطع بعدها الدمع... أسرعت الفتاة... في إعداد عدة السفر.
ذهبت ريم مسرعة ناحية حجرة والدتها... ثم أخبرتها بعزمها على السفر... ردت الأم... قائلة وهي تبتسم:
- " حفظك الله يا ريم... وحفظك الله يا حمدان".
حمدان جالس في البهو الكبير... والساعة في يده تشير للسابعة والربع...
- " أوه لقد تأخرنا... هيا يا ريم"
نظر حمدان للهاتف أمامه... عليه أن يستفيد من الوقت... حمل سماعة الهاتف... اتصل بالمستشفى... ليطمئن على صحة والده... وأخبره بأنه مضطر للسفر... صباح هذا اليوم... وأخبره أن أخاه الأصغر سوف يكون مساء اليوم هنا بجوار الأب... وسيقوم بخدمته ومساعدته... في كل ما يريد...  قال الأب:
- " لا مشكلة... حتى ولو لم يأت أخوك... فأنا بصحة تخولني القيام بكل شؤوني..."
قال حمدان:
- " إذن أرجوك... أطل الدعاء لي بالتوفيق"
- " وفقك الله يا بني... في الدنيا والآخرة"
اتصل حمدان بأخيه... كي يؤكد مجيئه للرياض... لقد كانت كل الأمور تسير في نصابها الصحيح... واتصل أيضا بأحد المكاتب الاستشارية... دار حديث لمدة عشر دقائق... بعدها قال حمدان:
- " إذن... اتفقنا"
ومن هناك... أقبلت ريم بهدوء.
مر الوقت سريعا... وهاهي الطائرة... لقد أقلعت بهيبتها ووقارها... إنها تُقل أغرب زوجين عرفهما الزمن النافر... زواج الأبوّة وزواج الصداقة... وبدأ شهر العسل... أغرب شهر عسل يراه الوجود... ولكن يا ترى... ماذا سيحدث في الأيام القليلة القادمة؟... أو بالأحرى... في هذا اليوم... أول أيام شهر العسل... هل سيبقى الزواج زواج أبوة وصداقة... أم أن هناك بوادر تشير لأمر آخر... ربما لاح ذلك في الأفق... وربما لاحت بداية لسيناريو جديد... في هذه الأحداث المتداخلة.... ولعلَّه يكون أكثر غرابة من السيناريو السابق.


11 ــ شهر العسل

كانت الطائرة ترتفع تدريجياً... وكان حمدان يشرح لزوجته القدرة التي أعانته في قطع التذاكر... وكيف تم إقناع الموظف بأهمية إحلال اسميهما في قائمة الانتظار... وكيف أن ذلك الموظف قد اعتذر... ولم يوافق إلا في آخر اللحظات... فعلاً السفر بالطائرة قلق... ووجع راس... كما قالت ريم... ولكنه أفضل من السفر بالسيارة.
 تساءلت ريم في استغرب:
- " هل سنذهب لأخذ العمرة؟"
- " إن شاء الله"
- " ولكن... قل لي يا شاطر... أين إحرامك "
نظر حمدان لملابسه... وقال وهو يبتسم:
- " أوه... لقد نسيته... لم يخطر أبداً على بالي"
- " وما الحل... إذاً"
- " بسيط... سنطلب من قائد الطائرة... العودة ثانية للرياض... وسأنزل بسرعة... وأحضر إحراماً... هـ... هـ... هـ"
انفجرت ريم ضاحكة... ولكنها أردفت:
- " قد نتأخر لو وافق قائد الطائرة... على العودة للرياض... ما رأيك في أن تنزل هنا... وتبحث عن محل لبيع الإحرامات في الخارج"
- " ماذا؟... تريدين مني النزول في هذا الهواء... ألا تعلمين أن الجو بارد في الخارج... ثم أين سأجد محل بيع الإحرامات... يا شاطرة"
- " أو ه... صدقت... إذن سأخبرك بالحل الأمثل... عليك أن تحرم من جدة... ويكون عليك دم... المسألة بسيطة... صدقة وأجر... مع أن بعض الفقهاء...  يقولون إن مطار جدة ميقات لمسافري الطائرات..."
- "نعم... نعم... اختلاف العلماء رحمة... خاصة بالنسبة لحجاج ومعتمري العالم الإسلامي... ولكن... هل عليك أنت أن تحرمي من هنا... من الطائرة..."
- " نعم يا حمدان"
- " فقيهة... ما شاء الله"
- " تمام... كلنا فقهاء...هـ...هـ...هـ"
وصلت الطائرة إلى جده... وانطلق حمدان وزوجته... محرمين... مُلبيِّين... في إحدى سيارات الأجرة... لبيك اللهم... لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك... كان كل شيء يلبي معهما... وحق لكل من سمعهما أن يلبي لتلبيتهما.
قالت ريم:
- " ما أعظمها من نعمة وسعادة... ينعم بها الإنسان... عندما يهاجر طاعة الله... يهجر بلده... ولو مؤقتاً... وينطلق في رجاء... وهو يستشعر أن الله يدعوه... فيُجيب ربه بقوله:
(لبيك اللهم) (لبيك اللهم)... إنها صورة بديعة للرُّقي الإنساني... نعم يا حمدان... لقد كذب من يزعم... أن الرُّقي في تنافس الماديات... أو مغريات الحياة... كلا... الرقي الحقيقي يكون في التعامل مع الملك العظيم... مدبر الكون... التَّعامل معه بصدق وإخلاص..."
هذه الكلمات قالتها ريم تعليقاً على التلبية... أنصت لها حمدان بشغف وفرح بالغ... وحين انتهت قال لها:
- " أكملي الحديث... إني أستفيد منك الكثير"
- " ما رأيك... الآن نستفيد منك يا حمدان... لقد تحدثتُ أنا كثيراً"
- " ماذا... هل تريدين فائدة كتلك القصيدة... التي رميتِ بها عرض الحائط... أنا لا أصلح إلا للسماع... ثم أنت كاتبة كبيرة... ومحللة كبيرة... أما أنا... كما ترين... على باب الله"
- " لا يا حمدان... يجب أن تقول شيئاً... لن أسمح لك.... لابد أن تكشف عن بعض ما يجول في خاطرك"
- " انظري إلى الإسفلت... كيف يهرب من تحت السيارة... يهرب للخلف... لكي تندفع السيارة للأمام... وهو يهرب للخلف... ونحن نهرب إلى الكعبة... ولو لم يهرب منا لما هربنا منه... ما رأيك؟؟"
- " لا بأس"
- " فقط لا بأس...  ربما !"
مر الوقت سريعا... كان الزوجان يلبيان حيناً ويضحكان حيناً... ويترنمان بالشعر حيناً آخر... حتى أشرفا على مكة... ثم أشرفا على الحرم... وهناك... نزلت السكينة على القلوب... تماماً كما تنزل الأمطار على الأرض المجدبة... فتهتز وتربو... انقضى الطواف... الجميع في ابتهال عظيم... وكلما نظر حمدان إلى زوجته ابتسم... وابتسمت هي بدورها... كل الناس يقولون يا رب... كل الناس هنا يطيعون الله... بقعة طاهرة حقاً... لاتخلو أبداً من ذاكر لله... أو شاكر له... أقدام حافية ورؤوس عارية... وأبصار مرتفعة للسماء... موقف مهيب... أولى بكل من وقفه أن يعود لرشده... وأن يقلع عن كل ذنب أو خطيئة... وأن يغتسل هنا من زمزم... ويفتح صفحة جديدة مع الله.
حمدان حدث نفسه بهذه الخواطر... وهو يغذُّ السير في المطاف... لم يقدر أن يتكلم بها لريم... كم تمنى أن تبقى هذه الأفكار في ذهنه... حتى يذكرها بالحرف الواحد لزوجته... أمال حمدان رأسه إليها في آخر شوط... وقال لها:
- " هناك كلام مفيد... سأقوله لك"
- " تفضل..."
- " لا... ليس الآن... بعد قليل... بعد الانتهاء من الطواف"
انتهى الطواف... وجلس الزوجان في الداخل... بجوار أحدى حافظات ماء زمزم... كان جلوسهما للشرب أولاً... وللراحة والاستعداد للسعي ثانياً... بدأ حمدان يبلل فمه بريقه... ليبدأ في إلقاء محاضرته... المعدة مسبقاً... نظرت إليه ريم في إعجاب... وبدأ صوته يتحدر... وبدأت كلماته تنساب... كم كان يتلذذ وريم مطرقة لسماع أفكاره.
استمر في الحديث... أحس أن عينيها بدأتا تدمعان... وأن عبرة في حلقها كادت تنفجر... تحدر كلامه كالسيل... بدأ ريقه يجف... بلل شفتيه بلسانه... أحس بالنشوة... لا يدري لماذا كل هذا الإبداع... ولماذا كل هذه الطلاقة... جاءته فكرة غريبة... هل هذا الكلام خالص لوجه الله... أم أنه لامرأةٍ يريدها... ما هذا... لم يهتم حمدان لكل ذلك... المهم أن ريم معجبة به... كل الإعجاب... وقف فجأة...
- " استغفر الله..."
 تذكر قول رسول الله... صلى الله عليه وسلم... (أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة... عالم... وإنما طلب العلم ليقال عالم... وقد قيل... خذوه إلى النار...) وقف عن الحديث... قالت ريم:
- " أنت رائع يا حمدان"
عاودته النشوة... استغفر الله في نفسه... حاول أن يخلص لوجه الله... لم يدر كيف يفعل... لذا تناسى موضوع الإخلاص... وبقي يتلذذ بالسعادة... وريم بجواره... سكب قليلاً من ماء زمزم... في كوب بلاستيكي... إنه يفكر فيما حوله باستغراب... أحداث جسام... تلك التي انهالت على حياته المستقرة... إن كوباً من ماء زمزم... كفيل بإزالة كل البقع الداكنة... التي تصبغ أطراف الحياة... انقدحت في ذهنه فكرة:
- " الله... أنا الآن أبو الأفكار... نضج مبكر... بدأ يصبغ ذهني وأفكاري".
قال لريم:
- " أطلب منك طلبا"
- " تفضل... قل أي شيء تريده"
- " اسمعي يا ريم... ستشربين الآن من زمزم... وستدعين الله بكل ضراعة... إنه قريب من السائلين... ثقي أنه سيشفيك من بلائك... الأمر يسير على الله... القضية كلها كن فيكون..."
فغرت ريم فمها وهي تسمع... شيء مدهش ما قاله حمدان... قالت ريم وهي تطأطئ رأسها:
- " ولكن..!!"
- " ولكن ماذا... يجب أن تتشجَّعي..."
ناولها حمدان في أثناء ذلك كوبا من الماء... تناولته ريم... رفعته إلى فمها... عيناها تبرقان... ولِلدُّنيا في نظرها معانً أخرى... شربت جرعة صغيرة... أنزلت الكوب... واستقبلت القبلة... وانفتح أمامها الأفق الرحب:
-" اللهم... اللهم... اللهم..."
لم تستطع ريم أن تكمل... أحسَّت برهبة الوقوف بين يدي الله... ذرفت عيناها بدمع غزير... تحسَّرت على أن تكون الدعوة للدنيا... قالت:
- " اللهم ارزقني الجنة... اللهم... صلِّ... على محمد... اللهم ادخل حمدان الجنة... اللهم أدخل أمي الجنة... اللهم أدخل أبي الجنة..."
 وعلى استحياء قالت:
- " اللهم اشفني من بلائي... يا رب..."
شربت بقية الماء... ومسحت دموعها... ومسح حمدان أيضاً دموعه... قال حمدان:
- " هيا نصلي... ركعتي الطواف"
صليا ركعتي الطواف... وبعد الصلاة... قاما منصرفين للمسعى.
الأقدام حافية... تطبع آثاراً مهيبة على الأرضية الرخامية... وهدير المؤمنين يرتفع من كل مكان... إلى الله الكريم... والصمت مطبق على شفتي حمدان وعلى شفتي ريم... كل منهما يدلي بذنبه لربه الغفار... كي يغفره... في سريِّة تامة... وستر تام... «الرياء» هو الإثم الذي حاك في صدر حمدان... وهذا الشوط هو آخر الأشواط السبعة... إنها فرصته ليتوب من الرياء... وليقصد بكل أعماله وجه الله... كلماته مع ريم منذ دقائق تؤنبه.
- " اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت... وما أسررت وما أعلنت"
 انتهى السعي... ونظر حمدان لريم... ونظرت ريم لحمدان... وقال حمدان:
- " الحمد لله... أكملنا النسك"
- " بقي التقصير"
- " صدقت يا ريم... فقيهة... ما شاء الله"
قصَّرت ريم بحوار باب المروة... بعد أن أخرجت المقص من حقيبتها الصغيرة... وانطلق حمدان لحلاق قريب... وبعد أن عاد:
- " تقبل الله منا ومنكم"
الزحام يلفظ بأولئك المنتهين، ليفضي بهم إلى الساحة الكبيرة... المطلة على مبنى الحرم من جهة... والمطلة على عمائر مكة من جهة أخرى... سعادة ريم وحمدان أقرب إلى سعادة أهل الجنة... إنها سعادة الإيمان... صدورهم تتسع لكل شيء... كانا يسيران بهدوء... وفجأة... انفجرت ريم بالبكاء... لم يكن بكائها ذاك سوى بكاء السعادة والفرحة... أهي في حلم أم في علم... أصحيح أنها تسير بجوار زوجها... وبجوار بيت الله الحرام... أي نعمة ساقتها لها الأقدار... زوجها حمدان... منحة الله لها... ووصية والدها لها... فكرت ريم في أن تنكفئ ساجدة لله... على هذه النعم... وتبقى ساجدة إلى أن تموت... إنها حتماً ستموت قريباً... وكم ستكون سعيدة لو ماتت وهي ساجدة.
جلست ريم... وانطلق حمدان... سيحضر كوبين من عصير الليمون البارد... لم يطل وقت انتظارها... أقبل حمدان ضاحكاً... وابتسمت ريم.
وبعد أن أكمل كل منهما حصته من العصير... كانت الأنفس أكثر هدوءًاً... نظرت ريم إلى السلالم الكهربائية... والارتفاع الشاهق في تلك العمائر الكبيرة... التي تطل على الحرم بكل الفخامة والأبهة... وتلك الأسواق التي تعج بكل شيء... وذلك الترف والكبرياء... اللذان لا زالا يصبغان وجوه بعض المتنزهين... باسم العمرة... قالت ريم:
- " حمدان... ما رأيك... سنسكن هنا... وسنطل على الساحة وعلى الحرم... شيء جميل... أليس كذلك"
 أشارت ريم إلى الأبراج العالية أمامها... نظر حمدان مندهشاً... وكاد يبتسم... ثم قال في هدوء:
- " كلا يا ريم... لن نسكن هنا"
- " أين سنسكن... إذاً"
- " في مكان آخر"
- " مكان آخر... لماذا..؟؟"
- " لأننا على قد حالنا... والإيجار هنا غالٍ"
- " أوه يا حمدان أنت تمزح... لا يهم... المال متوفر... هيا هيا... لا عليك من المال"
ابتسم حمدان... ثم قال:
- " يا ريم... اسمعيني جيدا... أنا لم آتِ هنا لأُسرف... هناك فندق قريب... وهو أرخص بكثير... ولا يقل جودة عن السكن هنا... المال الزائد الذي سندفعه على السكن هنا... نتصدق به... انظري... الفقراء هم أَوْلى بفضول أموالنا... من أصحاب هذه المباني... ثم نحن أتينا هنا للعبادة... لا لشيء آخر... ومن العبادة عدم الإسراف...  ومن العبادة الصَّدقة"
أثناء ذلك تقدمت امرأة عجوز... تبدو أسوأ حالاً من أيـَّما إفريقي خرج من المجاعة... مدَّت يدها لحمدان... ابتسم حمدان... وأخرج نقوداً ووضعها في يدها وانصرفت... نظرت ريم إليه وقالت:
-" أنت عظيم يا حمدان... تُصدِّق... كلماتك هذه فتحت عينيّ على حقائق مثل الشمس... كانت غائبة عني... فعلاً... مهما بلغ عقل المرأة من الذكاء... إلا أنه يحتاج لعقل الرجل... الذي هو أكثر عمقاً... كي يتكاملا ويبنيا لبنات الحياة".
- " شكراً... يبدو أنني أيضاً أصبحت فيلسوفا... مثلك تماماً..."
سارت الأقدام بوقع سعيد... حتى وصل حمدان وريم لفندق مجاور... وهناك... استأجرا جناحا مشرفا وقريبا من الحرم.... كانت السعادة غامرة... ولكن... حان وقت الغداء... هذا موعد مهم... نزل حمدان لشراء الغداء... في حين بقيت ريم ترتب أوراقا كثيرة في أعماقها... لم يطل الوقت... لقد حضر الغداء... ابتسمت ريم في سعادة:
- " أوه منذ مدة... لم أتناول وجبة بهذه الرائحة... حتما هي لذيذة "
- " صحيح... سوف آكل أصابعك... أقصد تأكلين أصابعك"
وضع حمدان السفرة... بالطريقة التقليدية... على الأرض... وسرعان ما بدأ في التحضير... مرت لحظات... وبدأ الزوجان السعيدان في تناول ما لذ وطاب... إنه لحم الضأن المشوي... مع الرز... وإدام (المسقع)... وأنواع من الفاكهة... الوقت يمضي... وبعد الغداء... قال حمدان لريم... وهو يتناول كوبا من الشاي الأخضر... أعده للتو:
- " ريم... يجب أن نذهب الآن لجدة..."
قالت في دهشة:
- " لماذا يا حمدان... نحن هنا أكثر استقراراً"
- " نعم يا ريم... ولكن... هناك شيء في خاطري... إنه أمر مهم... سأخبرك به هناك... اطمئني سنستأجر سيارة فارهة... ربما مرسيدس... وسننطلق... وبإذن الله... سنعود إلى الحرم قبل المغرب"
- " قبل المغرب... نذهب لجدة... ونعود... إذن هو أمر مستعجل... قل لي... ما هو... قل لي"
- " مجرد حاجيات... سآخذها من هناك"
لم تفكر ريم كثيرا... ولكنها كانت تشعر بأهمية أن تنفذ كل ما يطلبه حمدان... بكل تسليم وطاعة... إنها سعيدة بذلك... لم تكن تناقشه أو تجادله... لعله إيمان منها بإخلاص هذا الرجل... أو ربما لشيء آخر... لقد بدت شخصيةٌ جديدة لحمدان... إنها شخصيةٌ لم تعرفها ريم فيه خلال الليلة الفائتة...  شخصية قادرة على الإقناع والقيادة.
ولكن ريم تشعر بالفعل... أن حمدان الآن ليس هو حمدان الذي عرفته سابقاً... تلك السذاجة والتوتر... إنها شيء غير موجود الآن... كانت حدثا عابرا... هنا إنسان مبدع في قيادة أسرته... والسير بها بحذق وحنكة... دون فرض للرأي... ولكن بالإقناع والمشاورة... قُدُرات حمدان الذي كان ساكناً من قبل... أصبحت الآن ناصعة الوضوح... ركب الزوجان في السيارة المرسيدس... وبدأ حمدان يقودها... بسم الله... وانطلقا عبر الطريق السريع.
 الوقت يمضي بسرعة والبهجة تُلقي بنفسها على كل شيء أمامهما... وأخيراً وصلت السيارة لجدة... قالت ريم:
- " جدة بالفعل... قادرة على إقناع من يزورها... بأنها مدينة عريقة"
ابتسم حمدان موافقا... كانت السيارة تسير في الشوارع الواسعة... وأخيراً توقفت السيارة أمام عمارة طويلة.
ريم مشغولة بعد أوراق سعادتها... ولم تفكر كثيراً فيما يقصده حمدان... من هذا المشوار المفاجئ... قال حمدان:
- " هيا يا ريم انزلي"
- " أوه جميل... هل وصلنا؟... بالطبع سأنزل... ولكن قل لي... هل هنا مطعم جديد؟"
قال حمدان في شيء من الجدية:
- " كلا... يا ريم "
رفعت ريم رأسها قليلا... ثم التفتت إلى العمارة التي وقفت السيارة أمامها:
- " ما هذا يا حمدان"
لقد أصابها رعب شديد... قرأت اللوحة المعلقة في الأعلى... إنها لوحة تشير إلى أن هذه العمارة هي مستوصف كبير... قالت ريم:
- " ماذا تريد يا حمدان... ماذا بك"
- " لاشيء... المسألة بسيطة... انزلي وستعرفين"
فتحت ريم فمها في قلق... وبدأت دقات قلبها تزداد... ثم قالت:
- " ماذا تريد يا حمدان... قل لي...  استحلفك بالله"
- " فقط... هنا سنقوم بالكشف... الكشف فقط"
- " نكشف عن ماذا"
- " انزلي وستعرفين"
- " أرجوك يا حمدان... ارحمني"
- " ماذا بك... المسألة بسيطة"
طأطأت ريم رأسها في حزن... ثم أردفت:
- " بسيطة... نعم بسيطة... لديك أنت... أما أنا... فهي كارثة... إنها ستعيد ذكرياتي السوداء... ستعيد صوَر الهم الثقيلة... لماذا تريد أن تعذبني يا حمدان... لماذا أتيت بي إلى هنا... لماذا اخترت هذا الوقت بالذات"
أدرك حمدان صعوبة المعاناة التي تشعر بها ريم... أحس بحزن بالغ... ولكنه تمالك نفسه وقال:
- " هذا مستشفى يا ريم... ماذا بك... ليس سجناً"
- " أعلم أنه مستشفى... بداية شقائي كانت من مستشفى... قصتي المؤلمة بدأت من مستشفى... ومن قال لك أن المستشفى أرحم من السجن"
- " هذا غير معقول يا ريم"
- " بل معقول... ومعقول جداً... وعين العقل أيضاً... لازلت أذكر يا حمدان... نظرات الطبيب الذي حمل إلي خَبَرَ مَرَضِي... إنه خبر تلقيته منذ سنوات... ولكنه لازال محفوراً في مخيلتي... نظرات الطبيب كادت تقطع قلبي... عندما أطلَّ بعينيه من خلف نظارته... لازلت أذكر زوجي السابق... حين بصق في وجهي... إنه موقف قاسٍ كالصحراء... محرق كاللهب... ويجدر بالعاقل... ألّا يضع نفسه فيه مرة أخرى... لقد طَلَبَتْ أمي مني مرات ومرات...  أن أجري كشفا كاملا... أو على الأقل... أقوم بفحص الدم... وكلما هممت بذلك... رن كلام الطبيب في أذني... وأحسست برذاذ ساخن... في وجهي... (أنت مصابة بالإيدز... اذهبي... أنت مصابة بالإيدز...) كلا يا حمدان... كلا... لن أكبد نفسي معاناة سماع الكلمة القاسية... مرة أخرى... الموت أهون علي من نظرات الشك... التي سينظر بها كل من يرى الفيروس... سابحاً في دمي... ثم ما الفائدة من التأكد ثانية... وبعثرة الجراح... خلاص... يكفي... لقد عرفت... وانتهى الأمر... أرجوك... أرجوك"
لم تكن ريم مطيعة هذه المرة... كانت مُصرَّة ومعاندة... غريب... حمدان كان يظن أنها ستفرح وتتفاءل... أو على الأقل تسير معه دون عناد... خاصة بعد أن أحس أنها لا ترفض له طلباً... ولكنها أشبه بجلمود صخر... حطه السيل من علٍ... إنها لا تسمع ولا تبصر... نظر حمدان لها بتأمل... حتما لن يعدم الحيلة... عليه أن يلجأ لحيلة محكمة... فقلبه يحدثه بشيء ما... ومسألة الكشف مسألة ملحة جدا... عليه أن يبدأ بالإقناع... قال حمدان:
- " اسمعي يا ريم... هناك عدة أسباب تجبرك على الفحص...
أولها: أني زوجك... ومن حقي أن أعرف نتيجة الفحص"
- " أنت تعرف"
- " انتظري... لا تقاطعيني حتى أكمل حديثي... هيا تأسفي على المقاطعة"
- " آسفة"
- " من حقي التأكد من إصابتك أو عدم إصابتك...
ثانياً... نحن دعونا الله من قبل... أن ينزل عليك الشفاء... وما أدراك... لعل الله قد استجاب الدعاء... أليس كذلك...
ثالثاً... أنت بصحة جيدة... ولا يوجد عليك أي علامات المرض...
رابعاً... أنا أيضاً سأكشف على نفسي..."
نظرت ريم لحمدان بعد سماعها لكلمته الأخيرة بكل استجداء... ثم قالت:
- " لا أرجوك... لا تكشف..."
- " لا أكشف... لماذا؟؟"
- " لا شيء... لا شيء"
- " هيا إذاً"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق