الجزء الثاني
5 ـ السر الثالث... و...السر الثاني
ابتعلت ريقها ببطء... ودخلت في تفكير عميق... ثم دققت النظر صوب ندبة صغيرة في خد حمدان... بعدها أطرقت إلى الأرض... وازدادت زفراتها قوة... قال حمدان بلهفة:
- " ما هو السر الذي تريدين قوله لي يا... ريم أليس كذلك" ؟
أعادت ريم النظر إليه... وقالت:
- " كنت شابة يافعة... لم أجاوز السادسة عشر من عمري... أجهل الكثير من بدهيات الحياة... لا أعرف سوى المرح... والدتي كانت حريصة كل الحرص... على إحسان تربيتي... كنت حينها محطًَّ أنظار الكثير... من الشباب الباحثين عن زوجة... زوجة صالحة... وبالفعل... تقدم لي شاب يريد الزواج... كان شاباً مكتملاً من جميع الجوانب... الرجولة... المروءة... إلا أنني لم أرغب في إكمال ذلك الزواج... نعم... لم أرغب... فقط لمجرد رؤيتي له... لقد قررت أن لا أتزوجه... بقيت أمي تقنعني... اقتنعت أخيراً... ولكن الزواج لم يتم.
- " لماذا لم يتم الزواج؟"
- " لم يتم الزواج لسبب لا يمكنني ذكره الآن... ولأنه يتعلق بالسر الثاني... وربما سأذكره لك لاحقاً".
حمدان يدقق النظر... ملامح ريم تتغير بسرعة، مع كل كلمة تقولها... لقد كان الاضطراب ممتلكاً بدنها... بدأت زفراتها ترتفع بشكل مخيف... وأخيراً... وضعت وجهها بين كفيها... وفجأة، بدأت في البكاء الشديد... موقف حمدان أشبه بموقف المذهول... لم يستطع فعل شيء... كاد بالفعل يبكي معها... ودون شعور، وضع يده على كتفها... وقال:
- " لا عليك... اطمئني..."
رفعت رأسها بسرعة... ونظرت إليه نظرة لوم... كانت تقصد تصرفه الغريب... عندما وضع يده على كتفها... أجابها معتذراً والخجل يتمالكه:
- " آسف لم أقصد"
وبدت عينا حمدان حزينة... وقامت ريم وبكاؤها يتبعها....انطلقت حتى تغيبت في الداخل.
بدأ حمدان يضرب كفيه في بعضهما... ثم ينظر يمنة ويسر... أشبه بمن دخل في دوامة... تحفز للوقوف... وبدأ يفكر في الهروب... ولكن يبدو أن شيئا سيمنعه... نعم... أنها هناك... أم ريم... لقد كانت تراقب الموقف كله... ربما كانت جالسة بجوار الباب من الداخل... لقد دخلت بمجرد قيام ابنتها... قال حمدان في ذعر:
- " صدقيني يا خالة... لم أسيء إليها... لم أقم تجاهها بأي خطأ... صدقيني... والله العظيم..."
- " أعرف يا بني... سأكمل أنا سرد بقية القصة... أو بمعنى آخر سأخبرك عن السر الثاني... أما الثالث... فهو راجع لرغبتها هي... في إخبارك أو عدم إخبارك"
- " يا ويلي... وهل بقي سر ثانٍ وثالث... ما هذه المشاكل"
جلست العجوز... وأشارت بيدها لحمدان كي يجلس...ثم قالت:
- " اسمع يا حمدان... لقد رفضت ريم الزواج من ذاك الشاب... في البداية، بسبب حلم رأته... ريم كانت تُسميه رؤيا... وكنت أنا أسميه حلما... حتى صباح أمس... وصباح أمس فقط... أيقنت أنا أنها رؤيا... وليست حلما"
- " ماذا... صباح أمس"
- " نعم... قبل أن يتقدم خطيبها الشاب لخطبتها... رأت ريم في المنام أن أباها يأتي نحوها بثياب بيضاء... يتقدم ببطء... ويمسك بيد شاب وقور... لقد كان الشاب ووالد ريم يسيران على أرض خضراء... وكان النور يشع من وجهيهما... تقدما نحوها بخطوات وئيدة... وكان بعد ريم عنهم خطوات فقط... ولكنها كانت تشعر أنها واقفة في صحراء قاحلة... اقترب الشاب وأبوها كثيرا... حتى أصبحا بجوارها... كانت ريم تشعر بعطش شديد... وجوع لا يمكن تحمله... والريح... الريح... كانت الريح الحارة، تحثو في وجهها حثوات كثيفة من التراب... وعندما اقتربا منها... أحست أنها تنطلق بسرعة لتقابل والدها... أشار والدها بيده قائلاً:
- " (كلا يا بنتي... لن تستطيعي الاقتراب مني أكثر... ولكن... خذي بيد هذا الشاب... هذا هو زوجك... وسيكون في حبه لك بمنزلة أبيك... أنت يتيمة... مات أبوك وأنت طفلة... لقد حرمت حنان الأب... ولكن زوجك هذا... سيكون حتماً مثل أبيك... بارك الله لك فيه يا بنتي)"
اختفى والد ريم تدريجياً... واقترب الشاب حتى أمسك بيد ريم... وبمجرد إمساكه بيدها برزت أمامهما حدائق وأنهار... وأشجار جميلة... وانطلق بها الشاب إلى تلك الأشجار... ولكن المشكلة الحقيقية... تكمن في طبيعة ذلك الشاب... الذي قدمه لها والدها... للأسف الشديد... لم يكن هو نفسه... الشاب الذي تقدم لخطبتها في الواقع... إنه لا يمتُّ له بأي صلة.... إنه شاب آخر... من أجل ذلك، رفضت ريم الزواج منه... وأصرَّت على رفضها... ولكني حاولت إقناعها... وبعد جهد جهيد... اقتنعت... أذكر... لقد قلت لها:
- " يجب ألاّ تبني حياتك على الأحلام... وخطيبك هذا لا ينقصه شيء... ولكن... عندما اقتنعت بالزواج منه..."
... نظرت الأم إلى حمدان مستغربة... وقالت له:
- " اهدأ يا ولدي... أرجع ظهرك على الكرسي... للخلف قليلا"
انتبه حمدان لنفسه...
- "... أوه... المعذرة"
لقد ألجمت الدهشة حمدان... وجعلته يسبح في طيات هذا الحلم الغريب... وقد اقترب ببدنه من الأم... تاركاً كرسيه خلفه... حتى كاد يلاصق وجهه وجهها... لذا قالت له:
- " ارجع على الكرسي".
... رجع حمدان إلى وضعه السابق... وهو يخرج زفرة طويلة.
- " نعم يا ولدي... و... عندما اقتنعت ريم بالزواج من الشاب... حصلت قصة غريبة... هي بعينها السر الأول... الذي قالت ريم... إنها لن تقوله لك أبداً... ولا أدري هل ستقوله لك... أم لا... المهم... أنه أُقفل باب زواجها... ولم تعد ريم تفكر فيه مطلقاً... لقد تركت خطيبها... وتركها خطيبها... ومنذ أيام فقط... حصلت حوادث غريبة... منذ خمسة عشر يوما... تقريباً... كانت ريم تخبرني... إنها ترى في المنام... ذلك الشاب نفسه... الذي قدمه والدها إليها... إنه بنفس ملامحه... لم يتغير... وتقول إنها لم تر مثالاً لصورته تلك... إلا في الحلم فقط... إنه كما تقول... شاب تبدو عليه كل ملامح الهدوء... والطيبة... وحين رأته في المنام... منذ(15) يوما تقريبا... أخبرتني بذلك... ولكني حاولت إقناعها بأن لا تنظر لمثل هذه الترهات... وإلا... ما رأيك أنت يا حمدان؟"
- " أوه... قصة غريبة... أظنها فعلاً أحلام... وإلا... كيف يتخيل الإنسان صورة جديدة... أقصد... صورة لشخص لم يره من قبل... هذا مستحيل... العقل لا يستطيع صنع الصور الجديدة... على كل حال... هل تريدين مني يا خاله... مساعدة ريم... في البحث عن الرجل... أو... أقصد البحث عن طبيب يعالجها من هذه الأوهام... إن الطب النفسي لديه خلفية عن هذه الحالات الغريبة... سبحان الله... لله في خلقه شؤون "
- " لا يا بني... يبدو أنك أقل دهاء... وأكثر طيبة... اسمع يا بني... نحن بالفعل نريد مساعدتك لريم... ولكن ليس كما تظن... ماذا أقول لك...يا بني... يا حمدان... الواقع الذي عليك أن تعرفه الآن هو... هو إنك أنت الشاب الذي... ماذا أقول... أنت الشاب الذي رأته ريم في منامها... منذ سنوات... وأنت عين الشاب الذي تراه ريم هذه الليالي... كل ليلة تقريباً... نعم يا بني... أنت الشاب الذي قدمه والدها لها... وقال لها:
- " هذا زوجك... وهذا الشاب سيحل مكان أبيك... نعم... أنت يا حمدان... بداية القصة... وأنت نهايتها... وأنت العقدة التي عاشت عليها أُسرتنا هذه... منذ سنوات... ولكن... الحمد لله... أن بقيتُ على قيد الحياة... حتى حُلَّت العقدة... حتما... ستكون ولداً لي يا حمدان... لأني لم أرزق أولادا ذكورا... وستكون... زوجاً لريم... وستكون أباً لبيتنا هذا... أنت سعد المساعد... في هذا المنزل... لأنك وصيته إلينا... لعل سردي هذا... قد أبان لك... كل تفاصيل القصة... ولعل الهدف الذي أتيت من أجله... إلى هنا... أصبح مكشوفاً الآن... لا أظن أبداً أن لديك مانعاً... لا أظن... ولو فُرض أن هناك مانع سيمنعك... فحتماً ستُزال تلك الموانع... بإذن الله... لأن الرؤيا حق... وقد تحقق من الرؤيا أكثرها... برؤيتنا لك... وبقي القليل، وسيتحقق الليلة... إن شاء الله... سبحان الله... من كان يتوقع... أن تحصل كل هذه الأمور... بهذه البساطة... والآن... ما رأيك يا حمدان... قل بدون خوف... أو حياء".
صمت حمدان قليلا... كي يكون قادرا على فهم ما قيل للتو... ثم حك رأسه... وسحب يده على وجهه بهدوء... ثم قال:
- " نعم... تقولين أنني أنا... أنا الرجل... الذي في الحلم... أنا أستأذنكم الآن... لعلي في حاجة للانصراف... هذا أفضل لي... ولكم... بعيدا عن الأحلام... والمشاكل"
- " لم تعد حلماً يا ولدي... بعد أن رأيتك... إنها رؤيا... لقد قالت لي ريم ذلك... بعد أن رأتك في الواقع... لا في الحلم... قالت لي وهي متأثرة جدا:
-" إنني قابلته"
... أوه... كم هو موقف مؤثر... لقد دخلت وهي تصرخ فرحة... قالت:
-" قابلته يا أمي... قابلته"
قلت لها:
-"من..."
قالت:
-" أبي... أبونا جميعاً... زوجي... ووصية أبي لي..."
نعم يا حمدان... لقد كدت أُصعق... واستعذت بالله من الشيطان... وسألتها عن تفاصيل ملامحك... فكانت هي ذاتها... تفاصيل الملامح... التي سَرَدَتْها لي سابقاً... عن الرجل الذي في الرؤيا... قلت لها ولماذا لم تمسكيه... وتحضريه... ربما يهرب... قالت:
-"لا يا أمي... إنه حتما سيأتي... أنا مقتنعة... كما رأيته اليوم... في المستشفى... مع أن من عادتي ألاّ أنظر إلى رجل..."
نعم يا حمدان... وأذكر أنها في تلك الساعة... استأذنت مني قائلة:
- " يا أمي... هل تسمحين لي... أن أُشبع عيني... بالنظر إلى وجهه... إنه ذكرى أبي"
قلت لها:
-"أستفتي قلبك... يا ابنتي... أخشى أن يكون في ذلك إثم...{قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن}... قالت:
-"يا أمي... ليغفر الله لي... لن أستطيع لجم عيني عنه... إنه أملي الوحيد في الحياة... وقد يكون زوجي"
قلت لها:
-"وكيف سيأتي"
قالت:
-"سيتصل بي... وسيأتي... اطمئني"
وفعلاً... لقد أتيت إلى هنا... قل لي... كيف كنت تفكر وأنت تأتي إلى قوم لا تعرفهم"
قال حمدان في اضطراب شديد:
- " صدقيني... أنا لا أدري هل أنا في علم أو في حلم... لكني كنت أُحس أن أحداً يدفعني... للمجيء إلى هنا... وأنا أرفض... وكنت أسير وأنا شبه مغمض العينين"
- " نعم يا ولدي... هذا تماماً ما توقَّعته ريم... حفظك الله يا ريم... قل لي يا ولدي... ما رأيك... بالطبع... سيكون الزواج قريبا... هذا أمر محسوم... ولا يحتاج لطول تفكير"
- " ماذا... زواج ماذا... هل تقصدين ما تقولين"
- " أوه يا حمدان... ماذا كنا نقول من أول الليل..."
- " لكن كيف... هذا شيء لا يعقل..."
- " لا تندهش يا بني"
فكرت الأم قليلا ثم أكملت:
- " ما رأيك يا حمدان... لماذا لا يكون الزواج هذه الليلة... سندعي عم ريم... وشاهدين... والمأذون... ونعد وليمة صغيرة... هنا... في المنزل... كل الأمور لدي تؤخذ ببساطة... كم ستكون سعادتي وأنا أشعر بسعادة ريم... صدقني... لو أردت أن أجعل لبنتي أكبر زواج تعرفه الرياض... لما عجزت... ولكنَّا قومٌ واثقون من أنفسنا... ونخاف الله... ولا نحب التباهي والتفاخر... وإن أردت أن ندعو جماعة الحي... وأقاربنا فلا مانع... نعم... ولعلها هي السنة... كي يُعلن الزواج"
- " يا خالتي... لاشك... أنني خرجت من حلم ودخلت في غيبوبة... هذه الأشياء لا تُعقل... ارحموني... يا ناس... ارحموني..."
- " ماذا يا حمدان... أقول لك, الأمر مُنتهي... منتهي... لن نفرط في وصية والدنا... أبدا... عليك أن تدرك ذلك... لماذا أنت تماطل"
- " أنا لا أماطل يا خالة... سيكون وضعي في غاية الحرج... ما هذا... أنا متزوج... ورب أسرة... وظيفتي ليست في الرياض... واستقراري... هذا ضرب من الجنون"
- " اطمئن يا ولدي... كل هذه الأمور محلولة مسبقاً... لقد حلتها ريم مع نفسها... وستعرض عليك كل ما فكرت فيه... وأما كونك متزوجاً... ورب أسرة... فهذا مما يسهل علينا المسألة كثيراً... ويجعلنا نتعلق بك... لتكون رباً لأسرتنا... من أجل خاطري يا حمدان... لأن وضع ريم ربما لا يسمح..."
- " لا يسمح بماذا"
تحرجت الأم قليلا ثم أكملت:
- "لا... لا... أبداً... ستعرف كل شيء يا حمدان قريباً"
- ...
- " إذن السكوت علامة الرضا... قم يا ولدي... يا حمدان... لقد دخل وقت الصلاة... اذهب وصل... واستخر الله... وانظر بماذا يطمئن قلبك... هيا يا ولدي... قم للصلاة"
قام حمدان... أشبه بمن فقد عقله... ثم أنصرف... وهو لا يفكر في شيء... مر الوقت سريعا... أقيمت الصلاة في المسجد المجاور... وكبر الإمام... وصلى... وصلى الناس خلفه... ثم انتهت الصلاة... وبدأ الناس يخرجون من المسجد... ريم ووالدتها ينتظران عودة حمدان... داخل القصر... وعقارب الساعة تزحزح نفسها بهدوء للأمام.
مر وقت أطول... وخرج وقت الصلاة... ما هذا... لم يأت حمدان حتى الآن... لقد تغيب وقتا أكثر مما يحتاجه رجل ذهب ليصلي صلاة المغرب... يبدو أنه قرر عمل شيء ما... أخفاه عن أهل المنزل.
ريم وأمها في الداخل... لقد طال وقت الانتظار... وطال... حمدان لم يحضر... مرت ساعة بعد انتهاء الصلاة... الأم جالسة لوحدها في الصالة... سألت نفسها في قلق:
- " أين هو يا ترى... لقد تأخر... ولكن حتماً سيأتي... أنا واثقة"
في أثناء ذلك... طُرق الباب... واستأذن حمدان بالدخول... ابتسمت الأم... وكأن هما قد انزاح عن صدرها... لقد جئت يا حمدان... كما هو المتوقع... ألقى حمدان السلام عليها... ثم قال وهو يستعد للجلوس:
- " لعلي لم أتأخر عليك يا خالتي..."
في أثناء ذلك... دخلت ريم مع الباب المفضي للقسم الداخلي ثم قالت:
- " بل وتأخرت عليَّ أنا أيضاً... "
قالت ذلك وهي تضحك... نظر حمدان ناحيتها... وقال في غضب.... مختلط بالدهشة:
- " ما هذا"
كان السبب في تساؤل حمدان... هو أن ريم قد دخلت بصورة أخرى... لقد كانت مفاجأة كبيرة لحمدان... ريم بدت كالبدر... يتجلى في الليلة المظلمة... ويتجلى فجأة... لقد أماطت الخمار عن وجها... فبدا الجمال بعينه باهتاً أمام جمال مُحيَّاها... لم يتوقع حمدان أبداً أن ريم بهذا الجمال... كان دائماً يتوقع أن أجملَ ما في المرأة عيناها... ويظن أن كثيرات ممن يُبدين أعينهن... ويخفين وجوههن... أنهن في الحقيقة... يتعمدن إظهار الجميل... وستر الأقل جمالاً.
ولكن يبدو أن الأمر بالنسبة لريم مختلف تماماً... لأن عينيها جميلتان... ووجهها يقاسم عينيها الجمال نفسه... قال حمدان بدهشة:
- " سبحان الله ...أأنت ريم؟"
أجابت في دعابة:
- " لا حمدان.."
... أراد حمدان أن يضحك... ولكنَّ بعض الخجل ألمّ به... وفي تلك الأثناء، فرَّج عن حمدان... مشكلته تلك... ضحكة صغيرة ضحكتها العجوز... وحينها... بدأ حمدان بإخراج ضحكة مدوية... ضجَّ لها المنزل الكبير.
... قالت الأم:
- " هذه زوجتك... هل توافق على الزواج منها"
قال حمدان دون خجل... وكأنه يعيش في عالم ساحر:
- " نعم موافق... ولم لا أوافق... أقصد الأمر ما ترين "
... ذرَفَتْ دمعتان صغيرتان باردتان... من عيني ريم... وتبعتهما دمعتان... من عيني أمها... وتكلف حمدان إخراج دمعة... ولكن لم يسعفه الحظ بذلك... لذا اكتفى بضحكته التي لازالت أصداؤها ترن في رأسه... وفي البيت أيضاً.
جلس كل من حمدان وريم... وقامت العجوز مستأذنة... الكل يعلم أنها ستكون قريبة منهم... وعندما تضطر الأمور لتدخلها... ستكون أسرع تدخلاً من هيئة الأمم في حرب البلقان... -على أية حال- قال حمدان:
- " ريم... كيف ستكون حياتنا... لا ريب... ستكون صعبة جداً... هل ترانا سنفترق أكثر مما نجتمع... هل فكرت في هذا جيدا... لا أريد أن أظلمك معي"
- "اطمئن... أنا مقدرة لكل ظروفك... أعلم أنك متزوج... ستكون حياتك مع أبنائك... كما هي... لن يطرأ عليها تغير كبير"
- " ولكن... أليس لك من الحقوق... ما لزوجتي... أنا قلق جدا لذلك"
- " أعلم ذلك... ولكن المجتمع... المجتمع يا حمدان، يحكم حكما ظالما على المرأة... التي تباغتها ظروف الحياة الصعبة... ربما تعاني المرأة... وربما تقاسي كل صنوف العذاب... وربما تهان...على حساب بنات جنسها... المجتمع هنا يا حمدان، يحُكم على المرأة الثانية بأنها المجرمة... وأنها سارقة الأزواج... لكن... لن أهتم لذلك... سنتغلب على المشكلة... لا يوجد حل آخر... يكفيني أنني حققت وصية أبي... أنا أعلم أن في تنفيذها الخير كله"
...ارتفع صوت الأم من الداخل:
_ " يا أولاد... لقد أرسلت السَّواق ليأتي بالمأذون... وأيضا ليأتي بعمك يا ريم... وطلبت منه أن يَعْزِمَ كل الجيران... الذين يصلون العشاء في المسجد هذه الليلة... وسيحضر العشاء بعد ذلك"
قال حمدان لريم... في قلق مصطنع:
- " وهل تظنين يا ريم... أن زواجاً يتم بهذه السرعة... سيكون زواجا ناجحاً"
- " قلت لك يا حمدان... أنا لن أطلب منك أيّ شيء..."
- " هذا صعب... وأين ستسكنين"
- " كما تريد... هنا في الرياض... أو في أي مكان... صدقني... أنا أنظر لك كوالدي... تماماً... قبل أن تكون زوجاً لي... أنا عشت يتيمة يا حمدان... يتيمة... أتعرف معنى اليتم...لا أب... ولا أخ... ولا أحد... كانت أمي هي كل شيء في حياتي... أحس الآن بالأمن في جوارك... أحس أنني أعيش طفولتي من جديد... ولكني أعيشها بوجود أب... لم أعد يتيمة، وهذا يكفيني"
أحس حمدان بتأثر لتلك الكلمات التي قالتها ريم... فكر قليلا ثم أردف:
- " ماذا يا ريم... لو عشت أنا في مكان آخر... وأنت هنا... كيف سألقاكِ؟"
- " كما تريد... في الشهر مرة... في العام مرة... أتصل بك يومياً... أسبوعياً... تريد أن آتي إليك هناك... تريد أن تأتي أنت... لا مشكلة لدي... كل ثروتي الآن ستكون أنت الوكيل عليها"
- " لا تقولي هذا... تفكيرك بهذه الطريقة فيه شيء من التهور"
- " الأمر بالنسبة لي... يختلف تماماً"
ابتسم حمدان ثم قال:
- " كم أنت جميلة يا ريم... لم أتصورك هكذا"
- " صحيح!!... لو لم أكن جميلة... هل كنت ستتزوجني"
- " المهم في المرأة أدبها"
- " لست صادقا في هذا الكلام... أليس كذلك..."
- " في الواقع... أنني كنت متردداً قبل... رؤية وجهك"
- " وعندما رأيته؟؟"
- " وافقتُ بسرعة... ولكن صدقيني... إن كلماتك الصادقة أكثر جذباً لقلبي من جمال وجهك"
- " ليت جميع الرجال يؤمنون بهذا ويطبقونه"
- " وليت جميع النساء في طهر قلبك... ولكن... يا ريم... هل ستقولين... أقصد هل ستخبرينني بما أسميته السر الثالث "
...أطرقت ريم برأسها وصمتت.
في تلك الأثناء... سُمعت الجلبة في الخارج... يبدو أن عم ريم والمأذون وصلوا... لذا دخلت ريم للداخل... وفتحت الخادمة الباب... وولج الرجلان... كانت التحية رسمية كالمعتاد... وكان المجلس أكثر رسمية من التحية... خاصة وأن عم ريم يُعتبر من الطبقة الثرية في المدينة... دار الحديث بين العم وبين حمدان على شكل أسئلة وأجوبة... يبدو أن حمدان قد راق للعم إلى حد كبير... في أثناء ذلك، قام العم... واتجه ناحية القسم الداخلي... ولج وهو ينادي:
- " يا ريم... يا ريم..."
وبعد قليل دخل رجلان... يبدو أنهما من أقارب ريم... وعاد العم ثانية... واستأذن المأذون كي يبدأ في عقد القران... وتم ما أراده بسرعة... وبعد لحظات رُفع صوت أذان العشاء... وقام الجميع مسرعين للصلاة... وبعد أن قضيت الصلاة... عاد الجميع ومعهم الكثير من جماعة المسجد... وأصبح المجلس الآن أكثر رسمية من ذي قبل... مر وقت قصير... لقد أصبح العشاء جاهزا... قام عم ريم في وسط المجلس... وقال
- " تفضلوا للعشاء... بمناسبة زواج ابنة أخي... من الشاب حمدان"
قام الحضور ناحية السفرة... وبدأوا باسم الله... وبعد فراغهم... قاموا مستأذنين.
الوضع هو الوضع الذي يتكرر في كل زواج... ولكنّ السر الثالث... هو الأمر الذي بدأ يقلق حمدان... بعض الشيء... هل يا ترى ستتلفظ به شفتا ريم... وهل سيعرفه حمدان.
وهل سيعرف الزمن، سرا مقبورا في قلب فتاة، تحرص كل الحرص، على أن لا يعرفه أحد... حتى من اختارته قرينا لحياتها... أم أن مقبرة قديمة في قلب ريم، ستحوي ذلك السر... ويكون الأمل في معرفته ضرباً من السعي وراء السراب... قريباً سيتسنَّى للكل... معرفة الكثير عن ريم... وعسى أن يحالف الحظ... فيُعرف ذلك السر (الأول).
6 ـ اللقاء الحلال
عاد القصر الكبير، لحاله قبل صلاة العشاء... إنه خال إلا من أربعة أشخاص، العجوز، وريم، وعمها... وبالطبع، حمدان... إنه هناك يتأمل.
وبعد قليل من الوقت... خرج العم.
والآن... حمدان وحيدٌ في البهو الكبير... شرد بذهنه قليلاً... كي يستجمع أفكاره... لم يطل الوقت... لقد دخلت الأم، ودخلت معها ريم... وانتشرت الابتسامات هنا وهناك... لقد تبادل الجميع أسمى التبريكات... وجلس حمدان في موقف غريب... والأحداث من حوله لا يكاد يصدقها عقله... أمامه زوجته ريم... وبجوارها خالته العجوز... الكل سعداء... والابتسامات تجد طريقها بسهولة... لتلك الأفواه.
الجميع ينتظر ما يقوله الأب الجديد... حمدان... لقد وجد حمدان... أن من الواجب عليه... قطع أروقة الصمت، التي بدأت تنسدل على الأفواه المبتسمة... لذا أخرج محفظة نقوده... يبدو أنه قرر أن يكون كريما... أو قرر أن يثبت لهم ذلك... تلك الحافظة البنية الداكنة... تبدو مليئة بالنقود... ابتسم حمدان في ثقة بنفسه... ثم سحب رزمة من داخل المحفظة... ربما كانت (3000) ريال... من فئة (500) ريال... ومن جانب الأريكة التي يجلس عليها... سحب كيساً متوسط الحجم... وأخرج منه علبة مربعة الشكل... قام مبتسما... وضعها على الطاولة... ثم فتحها بخفة... إنها تحوي طقما رائعا من الذهب... عاد حمدان لوضعه الطبيعي... وأعاد حافظة نقوده إلى جيبه... ومع إدخاله الحافظة في جيبه... كانت يده مضطربة نوعا ما... تلكأت الحافظة قليلا قبل الدخول ثم دخلت... ولكن بعد أن سقطت منها ورقة صغيرة مستطيلة... لم يتنبه حمدان لتلك الورقة... ولكن ريم، التي كانت تراقب المشهد بدقة، رصدت الحدث بسرعة... الورقة سقطت على الأريكة التي يجلس عليها حمدان... تماما بجوار جيبه... سحب حمدان يده وعاد للوضع الطبيعي... وسحبت ريم نظراتها بهدوء... وعاد الجميع للنظر نحو الطاولة الكرستالية... إنها تحمل طقما من الذهب... بقيمة ألفي ريال... ومبلغا نقديا... يبلغ ثلاثة آلاف ريال... المجموع خمسة آلاف ريال... وهي كل النقود التي استطاع حمدان أن يصرفها عن طريق جهاز الصراف... لقد كان تغيبه بعد صلاة المغرب من أجل إحضار هذه الأشياء... التي اعتبرها أشياء رمزية... وهي ما قرره حمدان ليكون مهرا لزوجته ريم.
- " الله ما هذا يا حمدان... لقد كلفت نفسك كثيراً"
- " كلا... بل قولي لم تكلف نفسك..."
نظر حمدان أمامه... السكين بجوار الطبق المذهّب... والكعكة تبدو في رونق أخاذ... عليه أن يقطع ويوزع على الجميع.
اقتربت ريم منه أكثر... وابتسمت... وابتسمت أمها أيضاً... قالت ريم:
- "انتظر يا حمدان... يبدو أن الكعكة ستسلم من السكين لفترة أطول..."
- " لماذا؟"
- " لأن هذا العمل من تخصص المرأة... أنتم معشر الرجال... لا تجيدون استخدام السكين"
ابتسم حمدان في ثقة ثم قال:
- " بالعكس تماماً يا ريم... قال الشاعر:
( والسيف في اكف الهندية القضب)"
- " هل هذا الكلام بالفعل كلام شاعر... لست أدري... ربما كنت أنت الشاعر!"
- " أنا الشاعر... وكيف عرفت"
فكرت ريم قليلا ثم قالت:
- " البيت شبه مكسور... ألا ترى ذلك"
- " ماذا... هل سمعت يا خالة"
لم تملك العجوز إلا ضحكة سعيدة... أخرجتها من صدرها الواسع... قال حمدان:
- " أوه...تذكرت شيئا مهما... يا خاله... أريد أن أغسل يدي... وربما تغيبت في دورة المياه قليلا"
قالت العجوز:
- " إذنك معك... هناك دورة المياه... تصرف بكامل راحتك"
ابتسمت ريم... في حين انصرف حمدان... وبمجرد تغيب حمدان، قامت ريم، وحملت الورقة الصغيرة... نظرت الأم إليها بدهشة ثم قالت:
- " ماذا تفعلين... ما هذا يا ريم"
- " أمي... فقط ورقة... لقد سقطت من جيب حمدان"
- "لا يليق هذا يا ريم... أنت بهذه الطريقة تتجسسين عليه... إياك أن تقرئيها"
- " أمي... حمدان ليس غريبا عني..."
بدأت ريم تقرأ بسرعة... إنها كشف لبيانات آخر عملية صرف آلي... أجراها حمدان على حسابه... اقتربت ريم من والدتها وقالت:
- " رصيد حمدان... أوه... كم تتوقعين يا أمي... رصيد حمدان..."
- " هذا لا يليق... يا ريم"
- " ألف وخمسمئة ريال... أوه... شيء جميل... ولكن يا أمي... هل يقبل هذا"
-" وبم تفكرين... "
قالت ريم في تأمل:
-" الحياة تعاون... "
- "صحيح... الحياة تعاون"
-" حملت ريم حقيبتها الوردية... وفتحتها... وأخذت منها حقيبة أخرى صغيرة... وأخذت منها قطعة بلاستيكية صغيرة... وكتبت عليها كتابات معينه... ثم أعادتها لحقيبتها... ثم أقفلت حقيبتها وأعادتها مكانها.
لم يطل الوقت... لقد جاء حمدان مسرعا... وبمجرد جلوسه... نظرت ريم لوالدتها... ثم نظرت إلى حمدان... ثم تناولت حقيبتها التي كانت قابعة في أمان الله... بجوار الأريكة... وفتحتها... وأخرجت بطاقة للصرف البنكي... وقد كُتب عليها الرقم السري... وبكل هدوء مدت يدها... ثم أدخلتها في جيب حمدان... وهي تقول:
-" هدية بسيطة"
نظر حمدان لريم... ثم نظر لوالدتها... وأخرج البطاقة من جيبه... قلبها بهدوء... ثم بدا عليه شيء من التوتر... بعدها قال في غضب:
- " ما هذا"
- " شيء رمزي"
- "شيء رمزي؟... أنت تفعلين شيئا غريبا... ويستحق الغضب... عمل غير معهود... ولا يليق أبداً أن يتم في مثل هذا الجو... لا...لا... لقد هزلت... هذه حماقة... أو هي إهانة"
ولكن العجوز من هناك... عَظَّت على شفتها السفلى... وأغمضت إحدى عينيها... مُجبرة حمدان بلزوم الصمت... وعدم إطالة الوقت في حدث كهذا... اضطرب حمدان قليلا... بدأ ينظر للأرض.. وبعدها كاد يقف... ولكنه مد يده ناحية كوب ماء مجاور... ثم حمله وأدناه من فمه... وبدأ يشرب... وبعد انتهائه من الشرب... أمسك البطاقة بطرف أصبعيه... وقال:
- " عليك أن تدركي جيدا... أن الرجل هو المسؤول عن المرأة"
ابتسمت ريم ثم قالت:
- " وعليك أن تدرك أن الحياة تعاون..."
كانت مشاعر ريم من داخلها تشعرها أنها وحمدان شيء واحد... ولكنها أحست بموقفه الحرج... خاصة عندما تحدث عن مسئولية الرجل عن المرأة... شعرت أن عليها أن تساعده في تجاوز الموقف... وعليها أن تؤكد له أنه هو المسئول عنها ... لذا قالت:
- " ولكن...لم تسألني يا حمدان.. عن سبب إعطائي لك هذه البطاقة "
نظر حمدان باستغراب... أحس بحرج أكثر... ربما كان فهمه للموقف خاطئا... لذا قال:
- " ما السبب؟"
- "الواقع أن هناك مزادا علنيا... في مخططات جديدة... ستعرض للبيع غدا... شمال الرياض... ولأن لدي وكيلا يقوم بإدارة أموالي... فقد كنت أعتمد عليه في أعمال كهذه... لقد اشترينا في السابق عددا من الأراضي... إنها عملية مربحة... ومضمونة... ولكن في تصوري... أنه لم يعد لي حاجة للوكيل... غدا سوف نذهب أنا وأنت... ونشتري مجموعة من الأراضي... ونتركها للزمن... العمل في تجارة العقار راحة من وجع الرأس"
قالت الأم مشاركة:
- " هذا هو الأسلوب الأمثل "
أكملت ريم:
- " وستكون شريكا لي يا حمدان... في الربح والخسارة... لأنك أنت من سيختار الأراضي"
فكر حمدان قليلا... ثم هز رأسه وقال:
- " أوه... إذا كان الأمر كذلك، فسأكون سعيدا بمساعدتي لك... العمل في التجارة... أفضل من تجميد الأموال..."
ابتسم حمدان وطأطأ رأسه... وتناول البطاقة... لقد سلم للأمر الواقع... كما سلم من قبل لأمور أكثر غرابة ودهشة.
قامت الأم مستأذنة... يبدو أنها هذه المرة لن تقعد للمراقبة... لأنها قالت بالحرف الواحد:
- " خذوا راحتكم... جميع الدور الأرضي على حسابكم... وكذلك الدور الثاني... سأكون في غرفتي في الدور الثالث "
جلس حمدان... وبجواره ريم... كان قلبه يدق بضربات لذيذة... أحسَّ أن الكرسي يتحرك من وقعها... وكان الارتباك ظاهراً على محياه... وبكل عفوية... قالت ريم:
- " حمدان... يجب أن تقول كلمة جميلة... في غضون خمس لحظات"
احمرت خدا حمدان ... ثم قال بهمس:
- " أنت جميلة... يا ريم"
طأطأت ريم رأسها في خجل... وهي تقول:
- " الله... بديهة عظيمة"
- " صحيح "
-" أحست ريم بشيء من الشجاعة... لذا قالت:
- " هل تسمح لي أن أنشدك قصيدة... جديدة"
- " جداً!!... يطربني ذلك "
تراجعت ريم للخلف... ثم ضمت كفيها لبعضهما... ثم نظرت لأعلى من زاوية عينها... وقالت في شاعرية:
- " لمّا يزلْ...
قلبي وقلبكَ يا أملْ...
في صفحة الكون البديعة يكتبان...
وعلى شواطئ دجلة يتحدثان.
- " لمّا يزل!!"
- " والبدر في الأفق البعيدة مكتمل...
والنجم أطرق واعتذر...
والطير عنى واعتذر...
وهناك صوت العاشقين...
تجيبه أحلى الجمل...
- " لمّا يزل..."
قلبي وقلبكَ يا أمل...
ونسير في صحراء حبٍ...
نمتطي ظهر الجمل...
-" لما يزل"
-" وتسير كثبان الرمال...
وترتدي أحلى الحلل..."
-" لما يزل"
- " قلبي وقلبكَ يا أمل...
في لوحة الأفق الفسيحة يكتبان...
وعلى شواطئ دجلة يتحدثان...
وتضج أمواج الشواطئ...
صخرها يشكو البلل...
وهناك تبتسم الثغور...
ويبتدي... شهر العسل..."
-" لما يزل"
- " ما رأيك هل أنا شاعرة"
رفع حمدان رأسه بهدوء وصمت... ثم قال في إعجاب:
- " أنت عظيمة يا ريم... أنت المتنبي بعينه"
- " الآن دورك في قصيدة"
- " أوه... دوري أنا... هل من الضروري ذلك"
- " بكل تأكيد"
- " على كل... لا بأس... أذكر أني كنت شاعرا... في قديم الزمان... اسمعي:
قالت لـي الدنيا ســـــلام تســليم
حبيبك اللّي تـحب ما عـاد يبغيك
حـبيبك الـلي تـحب صعب التعـاليم
والْيَا تـقرَّب منـك فهنـاك يقصيك
أول وتالي الوقت..."
- " يكفي يكفي... أرجوك يا حمدان"
- " ماذا... ألست شاعراً"
- " ربما... ولكن شاعر (هجاء)"
- " لم يعجبك شعري إذن"
قالت في دلال:
- " في الحقيقة... كلا"
- " ماذا لم يعجبك...ربما ... ولكن... هذا ليس شعري... والله العظيم... ليس شعري"
- " شِعرُ مَن إذن"
- " شعر... لا أدري... ولكني أحفظه منذ الصغر"
- " إذن يجب أن تنساه... بأسرع وقت... في هذه الليلة"
- " حاضر... أسهل من ذلك لا يوجد"
بدأت رموز ليلة جميلة... تتفكك بهناء وسعادة... واستمرت الليلة وادعة جميلة... يترنم فيها الزوجان الجديدان ألحاناً يعجز عن عزفها قيثار فنان... وصمت كل شيء... سوى القلبين النابضين بالحب.
بدأت ريم تتحدث بصوت منخفض... لا يكاد يُسمع... وتقول:
- " إنه الحب الصادق... الذي أمر به الله... حب يمتلك القيمة الحقيقية للحب...ولكن مع كل الأسف... لقد افتقد هذا الحب آلاف العاشقين... أو من يسمون عاشقين... لقد حرموا منه... لأنـّهم أبو إلا أن يغمسوا أنفسهم في مستنقع آسن... من الحب الكاذب... القائم على الغدر والخيانة... والبعد عن النقاء... حب موهوم... وإن ترنم بألحانه العاشقون قليلاً... فإنما ترجع ترانيمهم كنباح الكلاب المسعورة... العاشق منهم ينظر إلى معشوقه نظر الذئب إلى فريسته... وسرعان ما يتم الافتراس... مع حضور الشياطين... وبكل بشاعة... على طريقة الضبع الشرس... ولا يبقى شيء... سوى نباح الكلاب... والأعراض المهتوكة... قاتل الله تلك الأصابع الملوثة... بألوان الصورة البشعة... لحب القرن العشرين... ورحم الله الحب عندما كان عذرياً.
كم ابتذلوا الحب يا حمدان... ولطّخوا صورته الجميلة... فأصبح لا يُعرف عندهم... إلا مع المنحرفات... وأصبح الرجل منهم يعشق كل أنثى إلا زوجته... ويهيم إذا خرج، بكل فتيات الليل... وإذا دخل المنزل... ركل زوجته بقدمه... وكأنها علبة ورقية ممتهنة... ورحم الله زماناً ولَّى... كان فيه العرب أكثر احتراماً لفطرتهم ودينهم... وكان أحدهم لا يحب إلا ليتزوج... وإذا تزوج فإن زوجته هي حبه الوحيد"
هذه الكلمات والأفكار... قالتها ريم بهمس... لقد حفظها حمدان... وعاش في أعماقها.
مدت ريم يدها... ووضعتها في يد حمدان... ثم رفعتها ناجية فمها... وهناك... طبعت قبلة الحب والإخلاص... وهي تقول:
- " سنبقى حبيبين إلى الأبد... "
وفي تأثر واضح... سحب حمدان يد ريم جهة شفته... وطبع هناك قبلته الصادقة... وقال:
- " أعدك بحب صادق"
مر وقت عذب... وعم السكون والصفاء دنياهم الصغيرة... ولم يطل الوقت... بدأ حمدان يحك عينيه... ثم قال:
- " أشعر بنعاس شديد... بالطبع لقد أنهكت كثيرا هذا اليوم... ما رأيك في النوم... أشعر أن رأسي يدور... ويدور... "
صمت حمدان... لأنه ينتظر رد ريم... ولكن شيئا ما قد حصل... لقد تباطأت ريم قليلاً في الرد... مد حمدان يده بهدوء... ثم قال:
- " ماذا بك... يا ريم "
أمسك حمدان بيد ريم... وعندما أراد أن يقف... تَصَلَّبت ريم مكانها... توجه حمدان نحوها باهتمام... وضع يده... على كتفها ويده الثانية تحت ذقنها... ورفع رأسها إلى الأعلى وهو يبتسم... كم كانت دهشته كبيرة... لقد رأى دمعتين في محجريها... دقق النظر أكثر... لم تكن الدمعتان يتيمتين... بل تبعتهما دمعات أكثر... حملق حمدان فيها أكثر... ثم قال:
- " ماذا بك يا ريم "
انفجرت ريم ساعتها ببكاء رهيب... وألقت يديه بعيداً عنها... كانت تقول بتوتر:
- " لا... لا... لن أذهب معك... كلا... اذهب لوحدك... اذهب هيا..."
في تلك الأثناء... ألقت ريم بنفسها على المقعد... بكل قوة وحنق... اقترب حمدان منها أكثر... وضع يده على رأسها... بشفقة وقلق... دفعت يده بعيداً... كانت تقول:
- " اذهب هناك... اذهب هناك "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق