الاثنين، 14 يونيو 2010

الحب يلتهم الفيروس "رواية "الجزء الأول


الجزء الأول




الحب يلتهم الفيروس

«روايــة »

 








البريد الإلكتروني
WAHAB10@ HOTMAIL.com      


الإهداء

 

إلى كل دمعة عين...

أو بسمة ثغر...

أو خفقة قلب ...

أو لهفة لقاء...

أهدي هذا العمل...

مع كل الحب…

عبد الوهاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ (أروقــة الدواء)
شمس الصباح الدافئة... تبدو خلسةً من بين الغيوم... ثم تستر وجهها... فيما يشبه الجرأة المتلفعة برداء الخجل.
 وتستمر نفخاتٌ متتاليةٌ من بوق الأفق... تدفع بالهواء البارد... كي يحرك كل ما أمامه.
ومن فتحات السور الحديدية... تبدو الأشجار المنْتشرة... في أروقة المستشفى... نضرةً جميلة.
ومن بين فتحات السور المتقاربة... تُرى اليدان المشدودتان وهما تدفعان العربة... بسرعة وحذر.
ينتهي السور الحديدي... وتستمر خطواته متسارعة... ويدخل مع بوابة الفناء الكبير.
 ثم يتوقف فجأة... ليـَرجِع برأسه للخلف... ثم يرفع يده بسرعة... ليمسك غترته... ويشد بيده الأخرى على مقبض العربة.
 لقد سقط العقال على الأرض... ثم تدحرج... في حين بقيت الغترة ترفعها الرياح وتخفضها.
يمد يده بانزعاج... كي يُنـزِل كابح الحركة... باتجاه العجلة الخلفية للعربة... من أجل تثبيتها... ثم يتقدم خطوتين في الاتجاه الأيمن... وينحني ليلتقط العقال... ويعود للعربة... ليدفعها عبر الرصيف الطويل.
يُتابع خطواته... وينتهي الرصيف... ثم يقف قليلا ليستعيد حيويَّته... ثم يدفع العربة عبر الطريق المائل... المعد لصعود العربات... ثم يقف في نهايته... ويلقي بصره عبر البوابة المفضية للباحة الكبيرة... داخل المستشفى.
ومن وراء الزجاج... تبدو في الداخل... تلك العربات المتحركة... وتبدو عجلاتها... حزينةً كئيبة.
 ويبدوا الجالسون فيها... وكأنهم يَعُدُّون لحظات المرض الثقيلة... مع دقات النبض في قلوبهم.
غالب القاعدين على العربات... ممن ساءت صحة عينيه... والبعض منهم... يضع نظارات كثيفة... كي يتسنى له رؤية الحياة... من وراء ضباب ضعف النظر... والبعض الآخر... يضع ضمادات قطنية على عينيه... ويهز رأسه بانتظام...  وكأنه يبحر في آماله... حين يُزال القطن... ويعود له النظر من جديد.
وربما رأيت من يضع نظارات سوداء... لا ليتقي الشمس... ولكن ليعلن للدنيا... أنه أقوى من فقدان البصر.
ومع الباب الآخر... ربما رأيت بعض المغادرين للمستشفى... بعد تلقى العلاج... وهم ينعمون بنظر يؤهلهم لرؤية ما حولهم... بطريقة جيدة... والقليل منهم... فشلت جميع جهود العلاج... في إرجاع البسمة إلى وجوهه... والنظر إلى عينيه.
تقدمت العربة للأمام... شيئا فشيئاً... وتجاوزت إطار البوابة.
الداخل الجديد مع بوابة المستشفى... هو حمدان المالك.. إنه يدفع العربة باحتراف... والعربة التي يدفعها تحمل رجلاً جاوز الستين... وعند التدقيق في ملامحهما... لا يخفى أبداً... أن الجالس في العربة هو والد حمدان... وذلك للشبه الكبير بينهما.
الوضع في المستشفى مستقرٌ جداً... أوقف حمدان عربة والدة بجوار أحد المقاعد الخشبة... وبدأ في التنقل بين مكاتب متفرقة هنا وهناك... لعرض حالة والده... وفقا للتقارير التي معه... وفي غضون دقائق... استطاع حمدان إنهاء جميع إجراءات التنويم... وتناول ورقة التنويم بكل سعادة... وعاد نحو والده.
ثم دفع العربة بهدوء... وأتجه لقسم التنويم.
بوابة قسم التنويم... ذات اللون البرتقالي الداكن... توحي بشيء من البؤس... ويجلس بجوارها البواب مهيباً... في هيبته المصطنعة.
 تقدم حمدان نحو البوَّاب... الذي وُضع مسبقاً لمنع الزوار من الدخول... والسماح فقط بدخول المرضى... مدَّ يده مسلما... وفرد ابتسامةً عريضة على وجهه... وقال في تزلف:
- " هذا والدي... بالطبع سيدخل لقسم التنويم... وهو في حاجة ماسة كي أرافقه"
ولكن البواب رفض في كل ثقة... وقال:
- " من المستحيل دخول أي شخص من هذه البوابة... حتى لو كان مدير المستشفى شخصيا... أنت لا تعلم أن هناك مسئوليات كبيرة تترتب على سماحي بالدخول... لكل من هب ودب"
فكر حمدان قليلاً في كلمتي - هب ودب- ولكنه تجاهل الوضع... وأعاد رسم ابتسامة أخرى... هي أعرض من سابقتها... وأتبعها بقائمة طويلة من الترجِّيات... عرضها في كل تواضع... وحاول ممارسة بعض الحيل الذكية... ولكن كالعادة... باءت كل المحاولات بالفشل المتوقع... ورفض البواب دخول حمدان في كل حزم... تأكيداً منه بأن المسألة حساسة للغاية... وهي في الوقت ذاته أمانةٌ كبيرة... لا تتحملها حتى الجبال.
هز حمدان رأسه في تسليم... وأيقن أن كل من يُدخل نفسه في معمعة كهذه... حتماً سيصاب بفشل ذريع.
أحس البواب بانتصار كبير... وقُدرةٍ على الإقناع... ورفع يده في ثقة... وطرق جرساً صغيراً بجواره.
 ولم يطل الوقت... لقد جاءت من هناك... إحدى العاملات في المستشفي... واستلمت العربة... في حين قبَّل حمدان رأس والدة... وودعه بلطف... وبدأت العاملة في دفع العربة... حتى تغيبت في الداخل... وحمدان يُتبعها بصره.
عاد حمدان أدراجه للخلف... وأدار عينيه هنا وهناك... بحثا عن بوابة الخروج... عليه أن يولي وجهه شطر أي مكان... كي يقضي فيه الوقت القادم... إلى أن يدخل موعد الزيارة القادمة.
ومع خروج حمدان من البوابة الخارجية للمستشفى... نظر لساعته... كانت تشير إلى العاشرة صباحا... تنهد بعمق... ثم حدث نفسه:
-" ستبدأ الزيارة القادمة في تمام الثالثة عصراً... وسيكون الوقت القادم عديم الفائدة... ما العمل؟"
لا شيء هنا في الرياض أكثر من سيارات الأجرة... وبمجرد أن رفع حمدان يده... كانت سيارة الأجرة واقفةً أمامه... ركب حمدان السيارة... وطلب من سائقها الاتجاه إلى أقرب فندق.
 عليه أن يبقى في الرياض مدة أسبوع... وبعدها سيرجع لمسقط رأسه... وسيأتي أخوه سالم من جده... ليُكمل واجب العناية بوالد الجميع.
انطلقت سيارة الأجرة... في شوارع الرياض الفسيحة... لم يَدُر بين حمدان والسائق أي حديث... كل شيء صامت... حمدان يقلب بصره هنا وهناك... ويُبدي دهشته بصمت... عندما يهز رأسه:
-" الرياض تتطور بسرعة!"
لم يطل الوقت... لقد وصل حمدان للفندق... الذي اختاره سائق الأجرة على ذوقه الخاص... لم يكترث حمدان كثيرا لحال الفندق.. ولكنه على كلِّ حال... يبدو مناسباً.
 دخل حمدان مع بوابة الفندق... كان موظف الاستقبال أمامه هناك... لم يطل الوقت... لقد تمت المفاوضات بسرعة... واستأجر حمدان غرفةً مطلةً على الشارع العام... وألقى بنفسه على السرير... ودخل في نوم عميق.
 مرّ الوقت بسرعة... استيقظ حمدان متوترا... لقد تأخر في النوم قليلا... ذهب للوضوء... ثم عاد... بدأ يقلب طرفه كأنه يبحث عن شيء ما... ثم شعر بهدوء قليل... عندما نظر لسهمٍ في الجدار... يبين اتجاه القبلة.
تناول حمدان السجادة الموضوعة على الطاولة... فردها في اتجاه القبلة... وأقام الصلاة... ليصلي الظهر والعصر... جمعا وقصراً.
أنهى حمدان صلاته... ولبس ملابسه... وخرج... عليه أن يذهب لأحد المطاعم...كي يتغدى... ثم يتجه للمستشفى... كي يدرك الزيارة من أولها.
مر الوقت بسرعة... الساعة الآن تشير إلى الثالثة عصرا... ووقت الزيارة سيبدأ بعد لحظات... وحمدان يقف مع الزوار المتزاحمين على بوَّابة قسم التنويم.
2 ـ (نظرة من غير ميعاد)

هنا مكتب الممرضات... العمل دءوب للغاية... أشبه بمملكة نحل...  والممرضات يَقُمْنَ بالواجب على أكمل وجه... وتلك الفتاة... منهمكة في عملها حتى أذنيها... ولا تجد فُرصَةً ولو صغيرةً لتنظر إلى الغادي أو الرائح... من أمام (مكتب الاستقبال).
إنها لم تجاوز الثالثة والعشرين... ولكن يبدو عليها سمْتُ الكبار... ودِقتُهم المتناهية في العمل.
زيُّها محتشم غاية الحشمة... وعندما تُكلِّم رجلاً... فإنها بعملية غير إرادية... تُطرق ببصرها إلى الأرض... ويبدو أنها خجولة... وهي مسئولة الممرضات في هذا القسم... ولديها من الأعمال الكثير... جَدْولة لحالات المرضى... ورصد لمدى التطور في علاجهم... وتقييم للممرضات في أعمالهن.
 الملفت للنظر... أن الفتاة تبدو سعيدة بعملها هذا... وتمارسه بكل أريحيَّة.
في أثناء انهماك الفتاة في عملها... دخل حمدان حائراً... إنه لا يعرف موقع الغرفة... التي ينام فيها والده... عليه أن يسأل... فكر قليلا... انقدح الحل الأمثل في ذهنه فجأة... لابدَّ من الذهاب نحو "مكتب الاستقبال" وسؤال الممرضة الموجودة هناك.
(مكتب الاستقبال) يوجد به ممرضات من الفلبين... ويوجد به ممرضات من أهل البلد... في الغالب يتجه السائل إلى الممرضة الفليبينية... ليطرح السؤال عليها... منعاً للإحراج... أو دَفْعاً للريبة.
لسوء الحظ... أو لحسنه!! (الأمر راجع لحمدان)... كانت الممرضات الفلبينيات... مشتغلات بأعمال مهمة... ولم يكن من أحد ليقدم خدمة التعريف بأسرة المرضى سوى الفتاة سالفة الذكر... وتدعى ريم.
- "لو سمحت"
- "نعم"
- "ممكن أسأل عن سرير عامر المالك"
- "في أي وقت دخل المستشفى"
- "صباح الخير!! ... أقصد... صباح اليوم"
كل هذه المحادثة تتوالى... وريم منشغلة بتقليب أوراقها... ولم تنظر لوجه السائل ولو بنصف عين... وذلك ما جعل حمدان يطمئن لهذه الفتاة... ويثني على أدبها في قلبه.
بحثت ريم في أسماء الداخلين والخارجين... لم يكن الاسم مع المدوَّنين في الصفحة القديمة... أما بالنسبة للصفحة الجديدة فهي موضوعة على الرف الأعلى... ريم تحتاج للوقوف كي تقرأ الأسماء هناك.
قامت ريم... وقرأت الاسم المطلوب... وقالت دون مبالاةٍ:
- " الغرفة (4) السرير (2)".
لم ينته الموقف بعد... وقد يتدخل اللاَّشعور في مواقف كثيرة... أو قد يُسمى الفضول غير المتحكم فيه... وهو تماماً ما حصل لريم... لقد نظرت دون شعور إلى وجه السائل... مما جعله يغضُّ طرفه قليلا... ولكن بعد أن تلاقت العينان.
يقال: إن للأعين لغةً غريبة... وتعابير صادقة... لكنَّ لُغَتَها هذه المرّة كانت مثيرة غاية الإثارة.
لقد كانت الدهشة واضحة على ملامح ريم... بمجرد رؤيتها لحمدان... حيث ارتبكت... ثم ألقت بنفسها جالسة على الكرسي... وأمسكت رأسها بيدها.
بقي حمدان في موقعه... كان يسأل نفسه عن هذا التصرف غير المتوقع... أعادت ريم النظر إليه ثانية... لكنها هذه المرة كانت أكثر تصويبا لنظرها... وأكثر تدقيقاً في ملامح حمدان.
أحسَّ حمدان ساعتها بالخجل... وانسحب من هذا الموقف بكل توتر... ثم ذهب لغرفة والده.
هذا الموقف الغريب... لم يمر على حمدان بسهولة... ولم يشأ أن يتناساه... وبعد انتهاء الزيارة... عاد حمدان للفندق... وبقيت الفتاة وتصرفها المريب يَشْغَلُ قدراً كبيراً من تفكيره.
في اليوم التالي... ومع بداية زيارةٍ جديدة... أقبل حمدان وفي ذهنه أفكار كثيرة... كان عازماً على البحث عن سر التعامل الغريب الذي تعاملت به الممرضة معه.
 دخل حمدان للمستشفى... واتجه لغرفة والده... وبعد أن قبل رأس والده... وسأله عن صحته... وأدار معه عدداً من المواضيع... أكثرها عن أسرار التطور الكبير في مدينة الرياض... والمدينة التي تزداد اتساعا كل يوم... والثورة السكانية المذهلة... وفرص العمل الكثيرة... والتي تحتاج إلى إعداد الكفاءات الشابة... الخ... الخ... قال حمدان لوالده:
-          " ماذا عن موعد العملية يا أبي؟"
-       " اللهم قدر لنا الخير... لقد تأجلت العملية يا بني... يوما أو يومين...  للقيام بمزيد من الفحوصات لضبط السكر والضغط"
-       " لا مشكلة... في التأني السلامة"
-       " نعم... وفي العجلة الندامة"
 قال حمدان لوالده:
- " عن إذنك... سأذهب لشرب بعض الماء... أشعر بالعطش"
ابتسم الوالد موافقا... في حين خرج حمدان متجهاً نحو"مكتب الاستقبال" وكان يأمل في شيء آخر... غير شرب الماء.
لسوء الحظ... لم تكن الفتاة موجودة هناك... أحس بخيبة أمل كبيرة... وعاد ثانية إلى والده... وبعد انتهاء الزيارة مرّ مرور الكرام على "مكتب الاستقبال" آملاً أن يراها... ولكن دون فائدة... خرج حمدان عبر بوابة المستشفى... السر يزداد تعقيداً في نظره... وتساؤلات كثيرة تنقدح في ذهنه:
- " هل لتغيبها اليوم علاقة بنظرتها الغريبة بالأمس؟"
 آلاف التوقعات والاحتمالات... ولا تجد الجواب... عاد حمدان للفندق.
مر الوقت سريعا... حمدان لم ينم تلك الليلة نوما هادئا... كانت الأوهام والكوابيس تزوره بين الفينة والأخرى... والأسئلة تثور في ذهنه... كلما انقلب يمنة أو يسرة:
- " هل ارتبطت صورتي بصورة مجرم... له ثأر مع عائلتهم... أو بشخص عاكسها... أو غدر بها... هل يا ترى تتهمني بأي تهمة؟"
وربما داعبته عاطفته أكثر... كلما تذكر تلك العينين السوداوين...اللتين تبرقان صدقاً وجمالا... وذلك النقاب الذي يَسْتُر الوجه... ثم يُبرز العينين كلؤلؤتين بداخلهما أحجار كريمة... وعندما لمحهما حمدان بسرعة... أحسَّ بصفاء عذب... يكاد يفوق كل صفاء... أوه... هل تراها أحبته... تلك الفتاة المؤدبة... أم أعجبت به... هل هو فارس أحلامها الذي طالما انتظرته... وهي الآن تَسْتجْديه أن يمسك بيدها... ويبدآ في وضع أول لبنة في العش السعيد... أوه إنه متزوج... ولكن ما المشكلة.
 لاَمَ حمدان نفسه على هذه الخيالات... وترك الأمر للأيام... كي تكشف له السر الغامض.


3 ـ (كلمات...  من غير ميعاد)

في اليوم التالي ابتهج حمدان كثيرا... عندما رآها جالسة هناك... على كرسيها... ألقى عليها نظرة سريعة... وتفحص كل ما حولها... وحدث نفسه:
- " هذا أمر حسن... الفتاة تبدو وكأنها غير منهمكة في عمل... وهي أيضا ترصد المدخل... لعلها تنتظرني... أو ربما... ربما تناستني... نعم... يجب أن أكون أكثر عقلاً واتزاناً... الأمور لا تُبشر بخير... ويجب أن أضرب الحسابات لأسوأ الاحتمالات".
استمرت خطوات حمدان متزنة حتى دخل إلى غرفة والده... وبمجرد دخوله قال:
- "السلام عليكم "
بدأ والد حمدان يتحرك في كرسيه ثم قال في سعادة:
- " حمدان... أهلا وسهلا يا بني... ولكن... هذه الغرفة كالسجن"
- " أعلم... أنت تحب الحرية... والهواء الطلق "
 تقدم حمدان أكثر... وعندما قبَّل رأس والده قال:
- " أنت بخير الآن... أليس كذلك "
- " ما دام الإنسان مستوراً فهو بخير "
- " نعم... مستوراً... وأيضاً... لا يخاف من أحد "
- " الخوف... لم يعد ثمة خوف يا بني... إلا من الله"
أدار حمدان عينيه... ثم ابتلع ريقه وهو يردد:
- " نعم ... إلا من الله "
حمدان يجلس في كامل أناقته... التي أعدَّ نفسه فيها من قبل... شيء ما يعتلج في داخله... ويجعله على شبه يقين... من أن الفتاة ستحضر الآن... ربما لأنه شعر أنها كانت تنظر له خلسة عند دخوله... لم يمر من الوقت سوى لحظات... حدَّث حمدان نفسه:
- " أوه... هاهي تدخل "
 خطوات هادئة... ترتطم بالأرض... ومشاعر بدت كالثلج... لم تنظر الفتاة إلى الشاب المتصنِّم هنا... ولم تُلق له بالاً... ربما كان هذا التصرف يُشعر بخيبة أمل جُزْئية... نظر حمدان إلى الأرض في هدوء... مرت لحظات... وشعر بما يشبه الكهرباء... تسري في بدنه... عندما سمعها تقول:
- " هل والدك بخير؟ "
رفع حمدان رأسه... كي يجيب... لكن الفتاة كانت تنظر إليه بنظرات ذات معنى... لم يُجب حمدان... حيث اكتفى بخفض بصره للأرض... سألته الفتاة:
- " هل أنت ابنه؟"
قام حمدان مرتبكا... وأمسك إحدى يديه بالأخرى... ثم قال:
- " نعم"
- " ما هي أعراض مرضه؟"
هدأ توتر حمدان قليلا...ثم قال:
- " والدي... بالطبع... ليس مريضاً... ولكن توجد مياه زرقاء... في إحدى عينيه"
- "مياه زرقاء...  نعم..."
ألقت الفتاة هذه الأسئلة... كانت ثقتها في نفسها واضحة... ولم تكن طريقتها في الحديث تجعل حمدان يفكر في شيء آخر... غير تقديم الإجابة المناسبة.
إلا أنها بعد إلقاء الأسئلة... دققت نظرها في وجه حمدان الشاحب- بدرجه ما- لذا اضطر أن يُطْرِقَ برأسه خجلا.
أكملت بعد ذلك:
- "هل من الممكن... يا أستاذ... أن تأتي معي إلى "مكتب الاستقبال"... للتوقيع على إجراء العملية؟"
- " آتي معك!... بكل سرور"
انصرفت الفتاة... وتبعها حمدان... وبعد أن جلست على المقعد... انتظرت قليلا... هاهو حمدان... لقد أصبح واقفا أمامها... وضع كفيه على (مكتب الاستقبال) في ثقة... في حين تقدمت الفتاة قليلا... ثم سألته:
- " ما اسمك؟"
- " حمدان بن عامر المالك "
حملت الفتاة قلماً كان موضوعاً بعناية... بجوار بعض الأوراق الصفراء المرصوصة في زاوية المكتب أمامها... ثم كتبت الاسم كاملاً في ورقة خاصة ذات لون زهري... أخرجتها للتو من حقيبة يدها... لم تكن الورقة التي كتب فيها الاسم هي ورقة القبول بإجراء عملية... ربما كانت ورقة خاصة... أكملت الفتاة:
- " رقم هاتفك؟"
- " رقم الهاتف؟... الحقيقة... لا أتذكر... أنا بالطبع... هنا... أسكن في وحدة سكنية... فندقية..."
- "اسم الوحدة"
زفر حمدان... وقال في تضجر:
- " لماذا هذه الأسئلة؟"
- " كي نتصل بك... لا قدر الله...  لو احتجنا لأمر ما"
- " أمرٍ ما... "
بدا شيء من الخوف يتسرب لقلب حمدان... بسبب صراحتها وتعاملها الجاف... وأسئلتها الأشبه بأسئلة محقق... حك حاجبه الأيمن... ثم أنفه... ثم ذقنه... كاد أن يسمي لها اسماً وهمياً... ولكنه لم يفعل ذلك... لذا قال بصوت منخفض:
- " فندق... قباء"
- " ماذا تعمل"
- " موظف في الشؤون البلدية "
- " هذا جيد "
مدت الفتاة ورقة صغيرة نحوه... كتبت عليها للتَّو... (رقم هاتف)... وقالت:
- " العصر... الساعة الخامسة والنصف... تتصل بهذا الرقم"
نظر حمدان بقلق... ثم قال:
- " من أجل أبي"
- " تقريباً... إياك أن تنسى"
- "... "
انتهى الموقف... حمدان يشعر بما يشبه الدوار... وهو غير مطمئن... هذا الموقف من أغرب المواقف التي مر بها... لقد بدأ الشك يتسور عليه نفسه... وبدا له أنه واقف أمام قاضٍ كبير... في محكمة شرعية.
-       " أوه... كيدكن عظيم "
-       "ماذا"
-       " هذا عظيم جدا"
وفي الوقت نفسه... تبخَّرت كل خيالات حمدان... في فارس الأحلام... التي منّى بها نفسه مسبقاً... وبدت له في الحال... كوابيس مخيفة.
ودون شعور... مد حمدان يده ليتسلم الورقة... أخذ الورقة... ثم تراجع خطوتين للخلف... كي يستعد للهرب... ولكنها نادته في اهتمام:
- "حمدان"
قال دون شعور:
- " لبيك "
ولكنه سرعان ما تنحنح... لأنه تذكر أنه لا يتحدث مع والده... لذا قال:
- " أقصد... لبيك اللهم لبيك... سبحان الله وبحمده... أوه... نعم يا سيدة... هل ناديتني"
قالت مبتسمة... وبصوت هادئ:
- " إياك أن تنسى... الاتصال... أرجوك"
أحس حمدان بطمأنينة من نوع خاص... هذه الكلمات أزاحت عن نفسه كابوساً من القلق الرهيب... كان جاثماً على صدره... صحيح أنه لم يَرَ ابتسامتها... ولكنه أحس أنها تبتسم.


4 ـ (الاختطاف)

أثناء بقائه في غرفته... كانت حساباته تذهب وتجيء... حمدان يرشف من علبة الحليب الكرتونية... ربما كان حريصا على خفض معدل الحموضة في معدته... ولكن استرخاءه على السرير هنا، يجعله يكرر سحب هواء عميق... ليفكر بعمق أكثر، في الكلمات التي سيتحدث بها مع ذلك المحقق... الذي يلبس زي امرأة... انقلب حمدان على الوسادة... أحس باشمئزاز قليل:
- " أوه... هذه الفنادق...كم من رقبة ورأس... قد احتكت بهذا الغطاء البالي... البعض منهم كان مريضا... والبعض ربما غرق في نوم عميق... وسمح لفمه أن يخرج قدرا كبيرا من اللعاب... شيء مقرف"
قام حمدان متجها لحقيبته... اخرج (المنشفة)... وفردها على الوسادة... وعاد يحدث نفسه:
- " الآن أصبح الوضع مطمئنا... إلى حد ما "
 عاد حمدان ليسترخي... وعادت الفتاة لتتطفل على تفكيره من جديد:
- " ولكن... ماذا لو دخلت في حياتي؟... وفرضت نفسها بالقوة... هل سأصمت صمتاً مطبقاً؟... وأكون جاهزاً لتنفيذ الأوامر... أم سأتحدث بما يجول في خاطري؟"
عاد حمدان ليجلس... أكمل شرب الحليب... واستمع قليلا لصوت أخر القطرات... وهي تفرقع في القصبة... ثم ألقى برأسه على الوسادة... وعادت له هواجسه:
- " ولكن... ماذا تعني تلك الابتسامة... والكلمات الوادعة التي وُجِّهتها لي... لماذا أنا متشائم... قد تكون الفتاة فتاة مسكينة... وربما كان لديها مشكلة ما... وربما... حسبتني... أخصائيا نفسيا... مثلا... وقررت أن تطلب حلا لمشكلتها... وبالطبع... لا بد أن معاناتها شيء لا يطاق... لذا فهي تريد كلمة مواساة... أو نصيحة صادقة... كي تتغلب على ظروفها القاسية... نعم... نعم... إن براءة عينيها تُزيل كل الشكوك... في كونها تخطط للسوء... ولماذا تسيء فتاة مثلها إلى رجل مثلي... ولماذا أنا بالذات... لا...لا...لا"
مر السجال متناغما في أعماق ذهن حمدان... وبعد أخذ ورد، بين حمدان ونفسه... قرر أن يكون أكثر جرأة... لماذا لا يقوم بالاتصال بالرقم... عليه أن يتحدَّث معها بلطف... سيكون قادرا على التوغل في خبايا نفسها... وسيقف حتما على حقيقتها.
وفي تمام الساعة الخامسة والنصف... كان جرس الهاتف يرن... مرت لحظات... حمدان يترقب... انقطع الرنين... وبدا صمت رهيب... لم يدم طويلا... وبعده بدت ريم على السماعة... وهي تقول:
- " ألو..."
- " ألو... ألو... خير يا طير... لماذا طلبت مني الاتصال... وفي هذا الوقت بالذات "
- " ماذا بك يا رجل!! تبدو قلقاً... لا عليك... فقط معجبة... أنا معجبة بك... وأريد أن أقابلك الليلة"
هز حمدان رأسه في صلف...ثم قال:
- " أعوذ بالله... هل أنت في كامل عقلك... ربما كنت واهمة في أفكارك... أنا رجل متدين... أخاف الله... هل تفهمين معنى متدين... أنا أصلي في المسجد... ثم ما هذه الوقاحة... والجرأة الغريبة... من امرأة منتقبة... اسمعي يا امرأة... يجب أن يكون الحجاب خارجياً وداخلياً... يجب عليك إذا حَجَّبْتِ بدنك ووجهك... أن تحجبي نفسك عن الحرام... أين الحياء والعفاف... صحيح... نساء آخر زمن... ثم ما هذا التغير المفاجئ لك... كنت في أول مرة أراك فيها... خلف خشبة الاستقبال... حييّة مؤدبة...لا ترفعين طرفك في أحد... تحترمين نفسك... وتحترمين مشاعر من أمامك... أوه... ماذا أقول... يبدو أن شيطانك ألعن من أي شيطان آخر... أو ربما كنت من أسرة غير محافظة... أو ربما أنت لست محافظة... يا أسفى على الصورة البريئة التي رسمتها لك في ذهني... بل ويا أسفى على العينين اللتين تُطلِّين بهما من خلف البرقع... وتبدوان كأصدق عينين ناعستين... ويا أسفى على سمتك الأخَّاذ وجِدُّك في العمل... ويا أسفى على بسمتك الحانية... وكلامك المعسول... ويا أسفى..."
تكلمت ريم بغضب:
- " كفى... كفى... يبدو أنك لسانك طويل للغاية... عد إلى صوابك يا هذا... أنا لا أسمح لك أن تتمادى في وصفي... في البداية قبلت نصحك الذي أدليت به مشكورا... ولكنك في النهاية... سمحت لنفسك بالتجرؤ على وصفي... عليك أن تحترم نفسك... وتترك ألفاظ الغزل الماجن... التي قمت بسردها... لست أدري... يبدوا أنك لست من أسرة محافظة... أو ربما كنت رجلا غير محافظ... يجب عليك أن تستحي... ولكنّ شيطانك على ما يبدو... ألعن من شيطاني بكثير".
بدأت عينا حمدان تدوران وتدوران... هل يمكن أن يدور الحوار على هذا النحو الغريب... بين شخصين تم تعارفهما منذ فترة وجيزة... وبتلك الطريقة الغريبة.
 حمدان يشعر أنه تورط بالفعل... وتسرَّع كثيرا في كل كلمة قالها... ربما كان ذلك بسبب عدم إخلاصه في النصح... أو ربما لأنه لبس ثوب الناسك... وفي قلبه خواطر أخرى... جرت على لسانه بعد لحظات من سماع صوتها.
لكنه يشعر أن الفتاة لازالت في الموقف القوي... أو بمعنى آخر... لازالت سيدة الموقف... الحقيقة أن حمدان طرب قليلا لهذا المشهد... وربما ازدادت رغبته في استكماله... قال عند ذلك:
- " آسف... هل أخطأت؟"
- " اسأل نفسك, أولاً... لماذا هذه النصيحة؟... وكأني أكثر النساء فسقاً... بالله ما الذي دفعك لإيرادها... دون مناسبة؟... أم أنك تريد إخبارنا بطلاقة لسانك؟"
بدا حمدان متحفزا... لذا قال:
- "أنت بدأت"
تنهد بعدها... لأنه شعر أنه وفق في هذا الرد... وانزاح عن صدره هم ثقيل... ولكن الفتاة سرعان ما ردت:
- " بماذا بدأت؟"
- " ألا تذكرين... ما قلت قبل قليل؟"
- "وماذا قلت؟!"
فكر حمدان بسرعة... ثم ابتسم وقال:
- " قلت أنك معجبة بي"
- " أوه!!... ما شاء الله... وأنت تلقائياً... تفسر الكلمات كما تريد... اسمع يا سيد... أليس من المحتمل أنني معجبة بك لبرك بأبيك... أو لأنك عند نظرتك إلي تطرق في الأرض... ألا يوجد تفسير عندك للأشياء غير الظن السيئ".
- " أطرق في الأرض!! نعم... صحيح... على كل... أنا آسف"
- " لن أقبل أسفك إلا بشرط... أو ربما طلب... سهل جدا... وأريد منك تحقيقه"
- " شرط... لا مشكله... لكن... وفق المستطاع"
- " نعم أنت بلا شك تستطيعه "
قال حمدان وهو يهز رأسه:
- " تفضلي "
- " ستأتي سيارة بعد قليل... إليك... على عنوان سكنك... أريدك أن تحضر إلينا مع سائقها"
تدحرج ريق حمدان بعنف... بدأ قلبه يدق بقوة... ثم قال:
- " ماذا!! أحضر، لماذا...!!"
- " أوه... سأقول لك... أنت ضيفنا هذه الليلة"
- " ضيفكم!... هذه نكتة "
- " نعم يا حمدان... أنا جادة فيما أقول... أريد منك مقابلة الأهل... والتعرف عليهم"
- " وبأي مناسبة... أتعرف على أهلك... يكفي الهم الذي حل علي... بالتعرف عليك أنت..."
- "انتهى الأمر يا حمدان... هذا وعد منك... عليك أن توفي به... ثق بي... ستجد ما يسرك"
- "ما يسرني؟... أجده لديك!!... والله لا أظن ".
- "إياك أن تُخلف... إياك ثم إياك... سآتي بك من تحت الأرض"
- " أعوذ بالله "
- " في أمان الله...".
مرت لحظات ثم أقفلت السماعة.
قال حمدان وهو ينظر للسماعة:
- " أيُّ أمان... وهذه المرأة تطاردني"
وقف حمدان... وبدأ يدور في الغرفة... عليه أن يتخذ قرارا ما.
- " أوه نعم... سيحسم الموضوع... الهرب من الفندق... لن يبقى أي أثر... لشخص اسمه حمدان... هـ هـ هـ "
قرر حمدان عمل ذلك, بأسرع وقت... بدأ في جمع الحاجيات القليلة... وإلقائها في الحقيبة... كل شيء يجب أن يكون سريعا... أجال طرفه بسرعة... لم يعد شيء من حاجياته هنا... هذا هو التخطيط الذكي بعينه... حمل حمدان الحقيبة وخرج... وبدأ في نزول الدرج.
- " نعم... يجب أن تحسم هذه الترهات الصبيانية... إنا أكبر من ألعوبة في يد فتاة"
الدرج يُطوى تحت قدميه... وصل للمسئول عن الاستقبال... سلمه مفتاح الشقة... واستأذنه في ترك الحقيبة لديه... قليلا من الوقت... سيعود بعد تجهيز بعض الأمور... الخاصة... انصرف حمدان... الباب الخارجي يقترب... ويقترب معه الهواء الطلق... والحرية... كان حمدان يحدث نفسه:
- " الحمد لله... قد تكون فتنة يريد الله أن يبتليني بها... لن أستسلم... لعل الشيطان هو الذي يطلب مني إكمال ذلك الطريق... الذي بدأته الفتاة... علي أن أسُدَّ الباب الذي تجيء معه الفتنة... حتى المستشفى... لن أعود له ثانية... إلا في الأوقات التي لا تكون الفتاة موجودة فيه... نعم... نعم... بل سأكون أكثر حرصا... حتى أخي... عندما يحضر لزيارة أبي... سألزمه البقاء لمرافقته... حتى انتهاء العملية... العملية سهلة... ولا تحتاج لبقائي... سأهرب من هذه المؤامرة... إنها الفتنة بعينها... علي أن أعود إلى مسقط رأسي... أو أذهب إلى مكة... هناك الهدوء والسكينة... المهم أن أرتاح من الهواجس... التي بدأت تأكل عقلي"
 فكر حمدان:
- " لا مشكلة سأذهب لمكتب الحجز...وعند تأكيد الرحلة... سأذهب للمطار... ثم أطير... أطير بعيداً...  ولكن والدي راقد على سريره... لا... لا... هذا لا يليق... أخي لم يأت بعد... أين سأذهب الآن... أين؟...لا مشكلة سأبتعد عن هذا الفندق الآن... وهذا يكفي".
أخيراً خرج حمدان من بوابة الفندق... أحس الهواء الطلق... ورأى الأشجار على جانبي الشارع... وسمع عصفوراً يغرد... إنّها الحرية.
سار قليلا حتى أصبح على حافة الرصيف... رفع يده ليُوقف إحدى سيارات الأجرة... ولكن:
- " ما هذا؟"
 أمامه سيارة غريبة... تقف لتوها... وقفتها غريبة... بداخلها شابان يَرْمَقان كل حركاته... ويبتسمان باحترام.
مر وقت قصير... نزل الشابان بكل هدوء... كانا في قمة الأناقة... تقدَّمتهما ابتسامتان رائعتان... قال أحدهما مستفسراً يحدث حمدان:
- " الأخ حمدان؟ "
 رد حمدان في انفعال:
- " خيراً ماذا تريدان؟"
- " أهلاً بك تفضل "
فتح الآخر باب السيارة... ووضع يده باحترام على كتف حمدان... ثم أمال رأسه قليلا للأمام... وبدون شعور دلف حمدان إلى المقعد الخلفي... وركب الشابان... وانطلقت السيارة.
حمدان في الداخل... إنه يشعر بشعور غريب... ولكن حبُ الفضول يدفعه لقبول هذا وأكثر... والخوف الذي ينتابه على حياته... يجعله يحجم.
البداية تجعل منه شخصية محترمة جداً... أشبه بحياة الأثرياء... حياة لم يألفها من قبل... بالتأكيد هي جميلة... ربما إلى حد ما... ولكن... لأول مرة، يعرف معنى الخدم والحشم.
مر وقت قصير... بدأ حمدان يتحدث عن أشياء هنا وهناك... في الغالب لا معنى لها... وقد أعجبه أن كل كلمة يقولها يتقبلها الشابان بالإعجاب... وكل كلمة يقولانها له تَتْبَعُهَا كلمة:
- " طال عمرك"
 مرت دقائق... وهناك... ها هي السيارة تدخل فناء قصر جميل... إنه في غاية الجمال... تناثرت في جوانبه أشجار شتى... وهيمن صوت النافورة الكبيرة على أجواء الحديقة... والإنارة متعددة الألوان تنبعث هنا وهناك.
أوقفت السيارة... وفُتح الباب... وسمع حمدان أحدهم وهو يقول:
- " تفضل طال عمرك... مع هذا الباب"
- " إلى أين؟ "
- "إلى الداخل؟ "
- "آه... إلى الداخل... أمر حسن"
قالها حمدان في شبه بلاهة... ومن داخله ربما قال:
- " وإذا وقعت يا فصيح..."
بدأت اللحظة الحاسمة لمعرفة كل شيء تَدْنو... وبدأ حمدان يجرُّ قدميه للباب... ذو المدخل الرخامي... وفي أعماقه شعور بقلق بالغ... كل شيء أمامه يبهره.
وقف حمدان لحظة... وعندما أراد طرق الباب... فُتح الباب في وجهه تلقائياً... هذا المشهد جعله يرجع خطوتين للخلف... ولكنه نظر بتأمل... يبدو أن هذا الباب يفضي إلى بهو كبير... إنها أشبه بقاعة كبيرة... الأثاث يبهر العقول... تلك الثريات المعلقة في السقف... أشبه باللآلئ... اللوحات الزيتية المعلقة على الجدران تبدو ثمينة جدا... والستائر المغلِّفة للجدران... والتحف المرمرية... شيء رائع... لا يمكن وصفه إلا على لسان شاعر... الأناقة هنا تتجلى في أبدع صورها.
 لازال حمدان واقفاً على الباب... يَنْظر إلى هذا وذاك... في حيرة بالغة... الرعب والدهشة تخفقان في قلبه... لم يطل الوقت... أفزعه جداً صوت امرأة تقول:
- "أدخل يا بني... نحن هنا في انتظارك..."
صوتٌ غريب... لم يسمعه حمدان من قبل... إنه صوت امرأة عجوز... قطعت مشوارا طويلا من العمر... ولكن... من أين انبعث الصوت... لا أحد يدري!!... أخيرا... قرر حمدان أن يدخل:
- " بسم الله "
 دخل حمدان... كل شيء هنا يقنعه بأنه ينظر إلى فيلم سينمائي... من أفلام الإثارة... ولكن الفرق... أنه هو البطل الحقيقي... قلب طرفه بهدوء... وأجال بصره بحيرة... ماذا هناك... إنه يرى امرأة في الستين من عمرها... لقد كانت في كامل حشمتها ووقارها... ولا يبدو منها سوى الوجه... تقدمت العجوز حتى جلست على أحد المقاعد الفخمة... وبجوارها منضدة صغيرة... وُضع عليها شيء من الرطب... وفي يمناها قدح من القهوة... قالت له في بساطة:
- "تفضل يا ولدي... تعال... واجلس هنا بجواري... اعذرني... القيام سيتعبني قليلا"
زفر حمدان بقلق.... وقال في نفسه:
- " أين هي الفتاة؟... وأين هي الأماني الكاذبات؟"
أعادت المرأة ثانية:
- " تفضل "
- " لا... لا... استريحي يا خاله "
أقبل حمدان نحو العجوز... وقبَّل رأسها على الطريقة التقليدية... ثم جلس بجوارها... بدأ يختلس النظر... يبدو أنها طيبة جداً... ولكن حمدان لا يدري، لماذا ذهب تفكيره عند الساحرات... اللواتي يركبن المكانس ويطرن بها!!
ابتلع حمدان ريقه في هدوء... ثم تجرأ وسألها عن صحتها.
- طيبه الحمد لله... كما ترى..."
رفعت العجوز إحدى حبات الرطب... وناولتها لحمدان... استقبل حمدان تلك الرطبة بكل حسن نية... لم يفكر طويلا... لقد ألقى بها في جوفه... وبكل تسليم... هزت العجوز رأسها... ثم ناولته حبة أخرى... حبة ثالثة... حمدان يمضغ في سكون... حملت العجوز حافظة القهوة... سكبت فنجانا... ثم ناولته إياه.
لم يرفض حمدان أي شيء... إنه الآن في حالة لا تجعله يفكر، إلا في (الأبَّهة) والعظمة... التي يعيشها أهل هذا القصر... وحمدان بدأ يعيشها معهم... ولكنه سأل نفسه فجأة:
- " يا ترى... لماذا أنا هنا؟... أوه الممرضة... تلك المرأة الغريبة... ولكن... ما علاقتها بهذا القصر؟... وبالخدم الذين أتوا بي إلى هنا... وما علاقتي أنا بهذا القصر؟... وبهذه العجوز... الأمر إلى الآن لا يوحي بالشر الذي توقعته... أعوذ بالله... هل من الممكن أن يكون في الرطب الذي أكلته آنفا سم... سم... أو سحر... أو ربما في القهوة؟... هل يمكن ذلك... لقد أكلتها دون تفكير... أعوذ بالله... لقد ضاع عمرك يا حمدان...".
كان حمدان أكثر دهاءً... عندما حمل رطبة وناولها للعجوز... وقال لها في إحساس بالدهاء:
- " تفضلي... سيدتي"
 ولكنها صدمته بقولها:
-" شكراً... لا آكل هذا"
 أيقن حمدان عندها أنه وقع في الفخ... لقد انطلت عليه الحيلة... وسيموت قريباً... لم يستسلم لذا قال في حزم:
- " من أجل خاطري يا خالة"
- " هاتها... لن أردك "
تناولت العجوز الرطبة... أوه... لقد انزاح الكثير من الهم... عن قلب حمدان... تناول حافظة القهوة... سكب منها فنجانا... ثم قدم الفنجان للعجوز... تناولته العجوز شاكرة...
- " إذن الأمر إلى الآن حسن... ولا يوجد أي بوادر لاحتمال السوء الذي توقعته".
- " خالتي... ما الداعي لوجودي هنا؟"
- " أنت يا بني ضيفنا الليلة... أرجو أن نقوم بواجبك"
أغمض حمدان عينيه في ضجر... وهو يقول في نفسه:
- " أوه... الكلام الغامض ذاته... الذي سمعته من الفتاة... هذا نذير شؤم"
ولكنه أردف:
- " ولكني لا أعرف عنكم إلا القليل... أتيت هنا مكرها"
- " بل ستعرفنا يا بني عن كثب..."
عمّ الصمت من جديد أنحاء البهو الواسع... وبدأت عينا حمدان تدوران هنا وهناك بدهشةٍ... لقد نسي كثيراً مما يجول في خاطره المكدود... لأنه عاود النظر فيما حوله... قِطَع السجاد الراقية... ورسوماتها الجميلة... والفخامة المذهلة... وهناك... البوابة المفضية لغرف المنزل الأخرى... وتجلس بجوارها كراسي ذهبية في غاية لأناقة... وفي أثناء ذلك الانبهار، سمع صوت من بعيد... يقترب على إيقاع  أوتار موزونة... لم يدم الصوت طويلا... لقد دخلت فتاة... لم يتوقع حمدان دخولها... مع ذلك الباب... إنها فتاة في مقتبل عمرها... كما خيَّلت لحمدان عيناه... لم يشأ الشاب أن ينظر إليها بتمعن... لأن له النظرة الأولى فقط...  ولكنها اقتربت متجهة نحوه.
- " ما هذا يا ترى... أعوذ بالله... "
حمدان نظر أخيراً... عليه أن يدرك ما يدور حوله... قد يكون ثمة خطر ما... ولكن... يا لمفاجأته... العينان... أوه... إنهما تبدوان من خلف البرقع... وهما عينا الفتاة ذاتها... التي قابلها في المستشفى... أعاد حمدان نظره إلى الأرض ثانية.
ألقت الفتاة السلام... ورد حمدان السلام في ارتباكٍ كبير... بدا على جسمه... قالت الفتاة:
- " أهلاً بك يا حمدان "
- " أهلاً "
- " خطوة عزيزة"
- ....
في أثناء ذلك... قامت العجوز مستأذنة وهي تقول:
- " اسمع يا حمدان... ريم تريدك في موضوع مهم... سأحضر عما قريب... لن أتأخر"
ارتبك حمدان بدرجة أكبر... أراد أن يقوم مع العجوز... ويذهب إلى حيث تذهب... لقد شعر بشيء من الأنس معها... إنه مَوْقِفٌ موغل في الإحراج... ولكنه قال:
- " ابقي معنا يا خالة... أرجوك... لا تتركيني وحدي"
- " لماذا؟... هل أنت خائف؟... أنت لست وحدك... ثم أنت رجل... ما هذا الكلام؟"
شعر حمدان بعدم مناسبة الكلمة التي قالها... لذا استدرك في ذكاء:
- " أقصد وحدي... مع ابنتك هذه... أنا شاب وهي شابة... لا يجوز الخلوة بها... أح ... إح "
- " في مثل هذه المواقف يجوز... أنا واثقة من ذلك... وهذا الكلام يزيد من ثقتي فيك "
... ردت ريم ضاحكة:
- " إلى هذا الحد تخاف مني!!!"
نظر حمدان لها شزرا ثم قال:
- " كلا... كلا... لم أقصد"
...انصرفت... الأم وجلست ريم قبالة حمدان... وهي بكامل حشمتها... وعند ذلك... بدأ حمدان يسترق النظر.
- " سبحان الله!... كم أوتيت من جمال في عينيها!... آه... ستكون أجمل في نظري... لو تركتني وحيداً وذهبت... أو أطلقت سراحي".
حمدان سألها... بعد أن نظر إلى زوج من البلابل... موضوع في قفص ذهبي:
- " أي شعور تشعر به هذه البلابل... يا ريم؟"
- " سؤال غريب... ولكن... أظنها تماماً تحكي حالنا... ونحن جالسان هنا... وننعم بتقابلنا... يبدو أن مشاعرك يا حمدان... مرهفة جداً... وأنت تفهمها وهي طائرة... أليس هذا قصدك؟"
- " يعني!! قريب نوعاً ما..."
- " إذن ما هو قصدك... بالتحديد "
- " إنها لا تحكي حالنا... وإنما تحكي حالي أنا وحدي "
- " أفصح... لم أفهم "
- " إنها محبوسة... تماماً مثلي... إنها بالتأكيد... تريد أن تطير... أن تغادر... وأنا كذلك... أشعر أنني محبوس... صدقيني... سأكون سعيداً لو فتح هذا الباب... وانطلقت سريعاً إلى الخارج "
 قالت ريم في حسرة:
- " أوه... تقصد كل هذا... يبدو أننا أسأنا إليك كثيراً..."
- " لم أقصد"
- " سامحني إذن يا حمدان... ولكن... صدقني ستندم... على طلبك هذا... بعد أن تعرف الموضوع"
- " الموضوع... هل هذا يعني... أنني لم أرتكب خطأ ما... وربما حان الآن... وقت عقوبتي عليه"
- " ما هذا الذي تقوله... أنت الآن في ضيافتنا... وستنعم غاية التنعم... لأننا سنكرمك طاقتنا... تماماً كما نكرم العصفورين... أنظر..."
 قامت ريم ساعتها... وفتحت باب القفص... وقالت وهي تحدث العصفورين:
- " أخرجي... يا عصافير... ها قد أطلقت سراحك"
العصفوران لم يتحركا... لقد أطلقا أنغاما عذبة... أغلقت ريم باب القفص الصغير... ثم نظرت إلى حمدان... وقالت:
- " ستكون بعد أن نكرمك... تماماً مثل العصفورين... وسنفتح لك الباب... وسترفض الخروج... لأن حَبْسنا لك... هو حبٌ لك"
- " شكراً... شكرا على هذه القصيدة... لقد عادت الطمأنينة إلى قلبي... ولكن..."
- " ولكن ماذا "
- " ألا ترين... أنه لا يجوز لي... أن أخلو بكِ... ثقي أنني صادق في مراقبة ربي... وأنا أصلي جميع الصلوات في المسجد... وأسأل الله دائماً... أن يعصمني من الفتن... وأنت تعلمين... عامة الفتنة في النساء... وبنوا إسرائيل... فُتنوا بالنساء"
- " نعم... صحيح"
 اقتربت ريم... وجلست أمام حمدان... ثم قالت:
 - " أوه هذا مؤسف... لقد ذهب تفكيرك للبعيد... ولكن قل لي... هل أنت من محبي القراءة..."
حرك حمدان يده متعجبا ثم قال:
- " القراءة... وما دخل القراءة..."
- " مجرد سؤال... "
- " نعم القراءة هي... شريان الحياة... أقصد شريان العلم ... اقصد... لا أدري ماذا أقول"
- " هدئ أعصابك يا حمدان... ببساطة... هل تحب القراءة؟"
- " نعم... "
- " جميل... أنا اسمي ريم سعد المساعد "
- " جميل اسم يدعو للتأمل... بالفعل... ولكن هل له دخل بالقراءة"
- " أوه... انتظر لحظة"
قامت ريم... واتجهت ناحية الخزانة... في زاوية من زوايا الصالون الكبير... ثم سحبت مجلة من هناك... قال حمدان يحث نفسه:
-" يا لله مساء خير... ماذا تفعل هذه الفتاة... هل أتيت هنا من أجل قراءة المجلات"
 وأقبلت ريم نحوه... وهي تقول:
- " هل تعرف هذه المجلة؟"
أبرزت ريم غلاف المجلة أمام حمدان... ولكنه قال:
- " صدقيني يا أخت... لقد نسيت كل شيء... حتى اسمي... أسمي... نسيته... بالطبع...  بعد دخولي إلى هنا"
جلست ريم... وأمالت ظهرها للخلف قليلا... ثم ضحكت من كل قلبها... ثم قالت:
- " تذكر اسمك أولاً... ثم تذكر هذا الاسم...(ريم سعد المساعد)"
بدأ حمدان في التذكر... شيئا فشيئا... ولكن بدون جدية... بعدها قال:
- " أظن أنه مرّ عليَّ كثيراً... ولكن أين... أين... هل هناك قرابة بيني وبينك؟"
- " كلا... ولكن قل لي... هل تقرأ... هل تقرا في هذه المجلة؟"
أشارت ريم لعنوان المجلة... نظر حمدان... ثم هز رأسه بالنفي... أصيبت ريم بخيبة أمل... أكمل حمدان:
- " للأسف... قليلاً ما أقرأ المجلات والجرائد"
- " ولماذا؟"
- " أنا لا أشتريها... إنها بصراحة تتاجر في أجساد النساء... إنها تعرض المرأة في صورة أبعد ما تكون عن الحياء والحشمة... لقد سَلَخَتْ من المرأة حياءها... بعد أن سلخت منها قيمها ودينها... لقد..."
...قاطعته ريم قائلة...
- " كفى.. كفى.."
...ابتسم حمدان ظناً منه أنه وُفق في اختيار هذه الكلمات... التي انفلتت على لسانه كسيل العرم... بالطبع... لقد أُعْجِبَ بنفسه كثيراً... وشعر بمكر ينقدح في ذهنه... كان صداه داخل نفسه يقول:
- " جميل... إن كانت هذه الفتاة تفكر بطريقة سيئة... فقد أخْبَرْتُها بموقفي من المجون والخلاعة... وإن كانت محافظة... فهذا شيء أجمل... عندها ستنظر لي بنظرة إكبار وتقدير"
... ولكن ريم قالت:
- " هل تمزح يا حمدان؟ "
- " أبدا... أنا في كامل جديتي"
- " ببدو أنك على نيتك أكثر من اللازم...لا تقرأ المجلات أبداً!!"
- " لا... لا... هناك مجلات دينية... محترمة... أقرأها دائماً... بل وأشجع على قراءتها... إنها تعيد بناء ما هدمته أيدي الانحلال..."
- " مثل ماذا..."
- " هي كثيرة جداً... لا يمكني حصرها... إنها أكثر من أن تحصر"
- " واحدة فقط... لو تكرمت... "
- " هل تشكين في صدقي؟"
- " كلا... كلا... ولكن كي يطمئن قلبي"
دخل حمدان فيما يشبه الدوامة...
- " ما هذا التحقيق... ومن أين لي اسم مجلة دينية"
وبعد تفكير قصير... نزل عليه الهام رهيب... ابتسم ثم قال:
- " نعم... اذكر على سبيل المثال... مجلة... المسلمون"
- " أوه... يا لك من مخلوق قديم... أظنك تقصد... جريدة (المسلمون)"
- "لا... لا... مجلة... ولا يوجد في الدنيا شيء اسمه جريدة (المسلمون)... أبداً... أنا واثق"
 كان حمدان يردد هذا الكلام دون تركيز... وقد تعمد الحديث بهذه الطريقة كي يرسم صورة عن نفسه... يبتعد فيها عن كل هواجس الريبة... التي تحوم في جنون حوله.
- " أحضر عقلك هنا يا حمدان... هل تعرف هذه المجلة؟... إنها مجلة إسلامية"
أعاد حمدان التركيز في غلاف المجلة... ثم فكّر قليلاً... بعدها قال:
- " أوه... نعم أعرفها"
- " هل قرأت آخر عدد منها؟"
- " آخر عدد!!... للأسف... لم أقرأه"
- " هذا مؤسف بالفعل... على كل... لو قرأته... لوجدت حتما ما يذكرك باسم (ريم سعد)".
بدأت ريم في تقليب صفحات المجلة... وصلت إلى أحد العناوين... طالعته بتدقيق... ثم قالت وهي تناول حمدان المجلة:
- " اقرأ... هذا المقال "
العنوان كان باللون الأحمر... (كرامة المرأة في الإسلام) وبجوار العنوان اسم الكاتبة....(ريم سعد)
قال حمدان في انبهار مَصْطنع... وهو ينظر للعنوان:
- " أوه... هل تقولين (ريم سعد)... نعم... نعم... لعلي أذكر هذا الاسم... ربما قرأت زوجتي علي قبل أيام... مقالاً مطولاً بهذا العنوان... كتبته... صاحبة هذا الاسم... أظن ذلك... يبدو أن هذه الكاتبة... داعية ومثقفة... جداً... ويبدو أنها أوتيت قلماً ساحراً... هكذا قالت زوجتي... وهي تحب القراءة والإطلاع... ولكن ما علاقتك أنت بريم المساعد.
- " أوه يا حمدان... ألم تفهم حتى الآن؟... أنا هي..."
طأطأت ريم رأسها في خجل ثم قالت:
- " معذرة... لم أقل هذا الكلام تباهياً... أو تفاخرا... كلا صدقني... ولكن لتعلم أني إن شاء الله... لن أتخلى عن مبدئي... أنا بالطبع فتاة محافظة... أريدك أن تعلم تماما... أني أحمل لمبادئي حباً عظيما... إن شاء الله... وأيضاً لتنزاح كل الشكوك والريب من قلبك".
حمدان بدأ يشعر بخجل شديد... تذكر كلامه الذي تلفظ به في الهاتف قبل ساعات... بالطبع لم يكن مناسبا... بدأ يطالع يمنة ويسرة... وضع يده على رأسه... بدأ يقرأ بسرعة كلمات من المقالة... ابتسم في صمت ثم تساءل بصوت مرتفع مندهش:
- " لابد أن هذا حلم... بالطبع... هو حلم، ولكن ما المشكلة... إنه حلم جميل الحبكة... أوه... ليته يستمر لفترة أطول... كي أعرف التفاصيل الأخرى عنك... وكي أعرف النهاية... بالطيع لن يتيسر لي ذلك... إلا في الأحلام".
- " اطمئن... لست في حلم"
- " أقسم أنني في حلم... أعرف نفسي جيداً... دائماً... تمنيني بالأماني الكاذبات"
- " اصْحَ يا نايم"
- " لا... لا... أرجوك... حلم جميل... لا أريد اليقظة منه... منذ مدة لم أرى حلما جميلا".
- " إذن لم تعد ترغب في الطيران كالبلبل".
- " أي بلبل؟"
- " هل نسيت؟"
-  " لقد نسيت كل شيء"
- " لقد عرفت ذلك منك يا حمدان... خاصة من كذبتك البيضاء... المشوبة بالسواد"
- " أي كذبة؟"
- " كذبة المجلات التي تقرأها... لماذا يا حمدان كل هذه التهم"
- " أي تهم"
- " لقد اتهمت المجلات جميعا... وعممت في قولك... وقلت إنها خليعة ماجنة"
- " أي مجون؟... أقصد أي مجلات؟ "
- " هناك مجلات محترمة... إنها تحمل قضية كبيرة "
- " لم أتهم أحداً"
- " اللهم طولك يا روح... أنا سمعتك"
- " متى!!"
- " ألم تقل بأنك لا تحب المجلات؟"
- " نعم قلت المجلات الخليعة"
- " لم أسألك يا حمدان عن المجلات الخليعة... حتى الشيطان... أظنه لا يحب تلك المجلات... ولكن سألتك عن هذه المجلة... إنها مجلة راقية... تعرض القضايا المهمة بكل صدق وموضوعية "
حك حمدان رأسه في خجل... وفتح فمه في حيرة... ثم قال:
- " أنا يا ريم في حلم... أرجوك لا تعكري حلمي... أريد أن أقول في حلمي ما أشاء... وأسب من أشاء... وأمدح من أشاء... وأشتم من أشاء... بل وأتهم من أشاء... أنا في حلم... أليس القلم مرفوعاً عن النائم؟"
- " أنت لست في حلم"
- " إذن ما سرُّ هذه المتناقضات... التي أعيشها"
- " لو كنت تحب الصدق في الواقع... لما أحببت الكذب في الحلم"
- " عقلي فقد الكثير من قدرته على تحليل الأمور... صحيح... ربما لست في حلم... ولكني أعترف الآن أنني أخطأت... صدقيني... لم أسمع منك أسم المجلة التي ذكرتها... لم أكن أسمع... كنت أريد أن أتكلم... وبأي شيء... حتى أخرج من المأزق"
- " وما رأيك الآن؟"
- " أوه... لم أعد قادراً على الحكم... صدقيني أصبحت في دوّامة... قولي بربك... ما هو الموضوع الذي جئت بي من أجله إلى هنا؟"
- " أليس من المفروض أولاً أن نتعرف على بعضنا؟... أريد منك معلومات كاملة... عن جميع تفاصيل حياتك"
- " وأنت"
-  " أنا بدوري سأعطيك تفاصيل حياتي"
- " وأريد معرفة الهدف الذي من أجله وُجدْت هُنا... بالتأكيد ستخبريني به أيضاً"
- " الهدف ستعرفه في النهاية... وسيكون تتويجاً للقاء... موافق"
- " اسمي حمدان عامر... أعمل موظفاً لدى الشؤون البلدية... عمري (27) عاماً... هل يكفي هذا..."
- " لا... لا... أريد أن أعرف المزيد... عن أفكارك... أخلاقك... تطلعاتك للمستقبل "
- " أفكاري... أولاً أنا مسلم... متمسك بما أستطيع عليه من ديني... لست مَلاَكا... ولا أدعي أنني بريء من الذنوب... ولكني... أقف مع نفسي بعد كل ذنب... لأحاسبها عليه... بحمد الله... أنا أؤدي الصلوات في وقتها في المسجد... وأحاول قدر المستطاع أن أبَرَّ بوالدي... ومن المهم عندي أن أحب للآخرين ما أحب لنفسي... هذا كل ما أذكره من أخلاقي... أما تطلعات المستقبل فلا أظن أنني أطمع في شيء كبير... سوى منزل... وربما سيارة جديدة... وقد أطمع في رصيد (ولو صغير نسبياً) في البنك"
- " أجبني يا حمدان بصدق... هل ستؤدي زكاة هذا المبلغ الصَّغير"
- " سؤال محرج... صدقيني لا أدري... المال يُطغي... ولكن سأحاول"
- " إذاً لست مسلما كما ينبغي"
- " ألم أقل لك من قبل؟... إنني لا أزكي نفسي... ربما وقعت في بعض المعاصي والذنوب... ولكن... ليس لدي الآن سوى الحال المستور... لا أذكر أني أخرجت زكاة... سوى زكاة الفطر... لأني لم أمتلك نصاب الزكاة لعام كامل... "
- " ... هـ... هـ... هـ"
ارتفعت الضحكات البريئة هنا وهناك... لتعم جنبات القصر الشاسع... بمناسبة هذا الكلام... الذي رأت فيه ريم... طرفة تستحق الضحك... قالت بعد ذلك:
- " هل بقي شيء عن شخصيتك"
- " كلا... لا أذكر"
- " إنك تتحايل علي"
- " أنا!!"
- " نعم... لم تذكر أنك متزوج"
أمسك حمدان بجبينه...ثم قال يحدث نفسه:
- " هذا الشيء الذي لم نحسب حسابه"
ثم رفع بصره ليقول لريم:
- " ماذا تقولين؟... وكيف عرفت؟"
- " ألم تعلم... لقد تقصيت كل أخبارك, نهار أمس"
- " نهار أمس؟ أوه... صحيح... لم تحضري للمستشفى"
- " يا محتال... هل لاحظت ذلك"
- " أوه... لا... لا..."
- " إياك والكذب"
- " قولي لي أولا... كيف حصلت على أخباري؟"
- " لا تسأل... هذا سر... إنه عن طريق الجنِّي سُحَيبون"
- " أعوذ بالله... السحر كفر"
- " لا... اطمئن... أنا أمزح"
- " إذن كيف"
- " الأمر بسيط... أحد أقاربي يعمل ضابطاً في المباحث... وطلبت منه تقصي كل شيء عن حياتك... وبسهوله وصلتني كل الأخبار"
- " مباحث... هل وصل اسمي للمباحث... أعوذ بالله..."
- " وهل تظن أنه للتوِّ يصل... إنه عندهم من زمن سحيق"
- " أعوذ بالله... ماذا تقولين"
- " الأمر طبيعي... كل مواطن يأخذ حفيظة نفوس... يكون اسمه لدى المباحث... وهذا في كل بلد"
- " ممكن!! "
- " بل أكيد..."
- " أكيد..."
- " بل ممكن..."
...هـ ...هـ ...هـ
بدأ الأنس يتسلل بهدوء... ودون استئذان... كي يغمر كل شيء... أحس حمدان بشيء يزيح الجزع والخوف عن قلبه... ويُحل السعادة والحبور بدلاً منه... ولكن يبقى السر الكبير... الذي لم يعرف كنهه حتى الآن... قال حمدان:
- " ريم... أريد معرفة كل شيء عنك"
- " المسألة ستطول... ولكن... سأختصر لك... اسمي ريم... أبي رحمه الله... اسمه سعد... كان ثرياً جداً... لقد مات... ولم ينجب أحداً سواي... تركني مع أمي الأرملة... في هذا القصر الكبير... ترك لنا أموالاً وعقارات كثيرة... وخَدَماً كانوا عتقاء له... في السابق... نعم يا حمدان... حياتنا تماماً كحياة الأمراء... لقد كنا في أيام وجود أبي أسرة معروفة... وكنا نَحْتَكُّ بالطبقات الغنية في المجتمع... والطبقات الثرية... ولكن وفاة والدي كانت صدمة قوية لأمي... مات والدي وعمري لا يجاوز الخمس سنوات... انظر... هذه هي صورته... أنا أحتفظ بها دائماً في حقيبتي... وأدعو له كلَّما تذكرته... المهم... لقد صُدمَت أمي بوفاة والدي... لقد كانا يتبادلان الحب والتقدير... لدرجة كبيرة... وقد كان عمر والدتي آنذاك... اثنين وثلاثين عاما... صدمة والدتي جعلتها تترك جميع علاقاتها السابقة... مع الأسر الثرية... لقد استقرت استقراراً كلياً في المنزل... وتفرغت لعبادة الله... كانت أشبه بصوفية متبتلة... خطبها الخطاب من كل مكان... ولكنها رفضت الزواج بالكلية... بذلت الكثير لتُربيني... وأرجو أن تكون نجحت في ذلك... أرجو ذلك... وبعد تخرجي من الثانوية... دخلتُ معهد الممرضات... هذا غريب... أليس كذلك... ولكني أحب التمريض... أجد فيه هوايتي... وهذا المعهد أشبه بكلية صحية... وهو يعطي دبلوما عاليا... مرت سنوات الدراسة... وبعد أن تخرجت... عملت في المستشفى... ليس لي حاجة للمال... ولكن الفراغ عدو لدود... لذا استعنت بالله... وواصلت عملي... كنت والحمد لله مثالا للالتزام بمبادئي... وأخلاقي... وحجابي... ولم أكن أدقق النظر في أي رجل... كنت أقوم بعملي... وكأن الرجال أجسام فخّارية أمامي...  حتى قُدِّر لي أن أراك".
صمتت ريم قليلا... في حين قال حمدان:
- " وماذا في رؤيتك لي!!"
- " هذا سر...سر مهم... سأقوله لك لاحقاً... ولكن... هناك سرٌ ربما لن أقوله لك مطلقاً... والسر الثالث سأقوله لك الآن".
- " أسرار!... ثلاثة !! أسرار ماذا؟"

هناك تعليق واحد: