لقد بدأت تجارة حمدان تحقق أرباحا كبيرة... والأراضي السكنية التي اشتراها ارتفع سعرها ارتفاعا كبيرا... وسفرياته للرياض أصبحت سفريات أسبوعية... ولكن… لازالت هناك مشكلة تشتته هنا وهناك... كيف يمكنه لم الشمل من جديد لأسرتيه... حتما سيكون الرهان رهان وقت.
وفي يوم من الأيام... قرر حمدان أن يعترف أمام زوجته الأولى بكل شيء… ولكن ما هي الحيلة يا ترى؟… انقدحت في ذهنه فكرة غريبة.
جلس حمدان على طاولة مستديرة... في أحد المنتزهات الجميلة... في الرياض... وبكل هدوء... بدأ في كتابة قصته مع ريم... وبكل تفاصيلها… أنهى حمدان الكتابة... وقام من مقامه وانصرف.
وفي اليوم التالي طبع حمدان تلك القصة... كي تبدو أشبه بقصة مشتراة من المكتبة... ووضع لها غلافا جميلا… ثم قرر إعطاءها لزوجته الأولى في أقرب فرصة… كي تقرأها بهدوء.
ولكن هناك مشكلة… حتماً ستعرف أنه هو البطل في القصة... حتى اسمه لم يتغير... كل شيء يدينه... أوه ليته كتبها باسم مستعار… ولكن لا يضير.
وفي صباح أحد الأيام... ذهب حمدان لزوجته... وقال:
- " هل تريدين قراءة آخر رواية؟"
- " أتمنى ذلك... فأنا أشعر ببعض الفراغ"
- " تفضلي... ولكن لا تقولي أي كلمة... حتى تكمليها"
خرج حمدان ساعتها من المنزل مسرعاً... تاركاً للأقدار فعل ما قُدِّر.
عاد حمدان في وقت متأخر من الليل... وفتح الباب بهدوء... وجلس في غرفة الجلوس دون علم زوجته... كان ساعتها قلقاً مما ستفعله زوجته به... وبعد خمس دقائق من جلوسه... أقبلت الزوجة كالهمِّ الثقيل... ثم قالت بقسوة:
- " أنت هنا... ولم تخبرنا... ولم تسلم حتى!! عجيب"
رفع حمدان يده نصف رفعة سريعة... وقال بارتجاف:
- " السلام عليكم... يا ريم"
ابتسمت ساخرة... وقالت:
- " وعليكم السلام... يا ريم... أنا لست ريم... يا... صاحب ريم"
- " آسف... لم أقصد... ريم... (يا ريم وادي ثقيف)...كنت فقط أتغنى... أقصد... وعليكم السلام يا سلمى"
- " آسف... لم تقصد... ولكن الرواية صراحة... ماذا أقول… كانت رائعة"
- " أوه... كانت رائعة... ممتاز... جدا... ولكن هل تظنين أنها قصة واقعية؟"
- " ماذا... إذا فرض وكانت قصة واقعية... فلا شك أن زوجته الأولى... قد قصمت رقبته"
- " الحقيقة... أن المسكينة... هي زوجته الثالثة... أقصد الثانية... حرام... حياتها صعبة... الله المستعان"
- " حَرْمَتْ عينك... أنت وإياها"
- " ماذا !! أستغفر الله"
- " شف يا حمدان... أنت ذكي جداً... وطريقتك في إيصال الخبر أذكى... وأنا الآن سأضيف آخر فصل في هذه الرواية… لقد تبادرت لي بعض الهواجس من سفرياتك … ومن هذه النقود التي انهالت عليك"
- " أقسم يا حبيبتي أنها تجارة… تجارة مباحة"
-" مرابحة... نعم...نعم..."
في تلك الأثناء... سأل حمدان نفسه:
- " هل ستكمل الرواية يا ترى بنكبة جديدة كالمعهود... أم أنها ستكملها بلطف... يا الله الطف... تَعِبْنا من كثرة المشاكل"
- " يا حمدان أنا قررت قراري النهائي"
ابتلع حمدان ريقاً مراً... وأمال رأسه للأمام... وأغمض عينيه... إنه ينتظر الحكم الجائر... الذي ستصدره عليه زوجته... عيناها تُصدران بريقاً من نوع ما... ولكن يبدو أنها تفكر... وتستعد لتقول كلاماً مهماً.
ربما ندم حمدان قليلا… على تسرعه في اتخاذ القرار... وإعطاء زوجته لتلك الرواية... التي يبدو أنها ستكون مشئومة... على الأسرة الوليدة.
أخذ حمدان نفساً عميقاً... عندما استدارت زوجته سلمى... ازداد نفسه... وعندما تحركت منصرفة... ابتلع ريقاً أقل مرارة... ولكنها استدارت نحوه فجأة... لتفزعه أولاً... ولتقول ثانياً:
- " لحظات... وسآتي بعدها لإكمال الرواية... فاهم"
وضع حمدان يده على قلبه... ثم دسَّ يديه في جيبه... وفتح عينيه... وفغر فاه... وبدأ ينتظر.
عادت الزوجة... ودق قلب حمدان... عندما رآها تحمل قلماً وورقة... إنها النهاية المرة... اقتربت سلمى أكثر وأكثر... ماذا... إنها تحمل في يدها الأخرى كيساً أحمر... انقدح في ذهن حمدان هاجس غريب... تلك الخاتمة السيئة... التي تنتهي إليها كل زيجات التعدد... تأكد في ذهنه أنها ستطلب طلاق ضُرَّتها... ستطلبه حالاً... وتلزمه كتابة الطلاق... بالقلم والورقة... وإلا... فستخرج المسدس من الكيس... أو ربما السكين... وتشرع في قتل حمدان... وعندها ستنتهي الرواية.
كانت سلمى تضحك قليلاً وتبتسم كثيراً... لابد وأنها الفرحة بالنصر... والرقص على جروح الأبرياء... قال حمدان بهمس:
- " خذ الورقة... والقلم... واكتب رسالة إلى ريم... الآن... واطلب منها الحضور هنا... فوراً، وسيكون في هذا الكيس هدية متواضعة مني... عربون ضرارة... هـ... هـ"
- " ضرارة... ماذا تقولين... لم أفهم"
- " صدقني يا حمدان... إنه الإيمان... والإيمان بأن الحب لازم من لوازم الإيمان... حب جميع المسلمين... وحب الخير لهم... أنا أجري على الله... ربما لن ينقص مني شيء في هذه الدنيا... بقدر ما سيمنحني إياه الله... من البركة والخير... لقد أحببت ريم من قلبي... صدقني... لقد شعرت أنها تماماً مثل أختي... أريد أن أتعرف عليها... وأريد أن تسكن معي هنا"
بدا وكأن قوانين الحياة... قد تغيرت... وبدا وكأن شجرة الحب نبتت وغطت الدنيا بأسرها... هل صحيح ما يقال على لسان هذه المرأة الصالحة... إن كان صحيحاً فقد عادت مريم العذراء من جديد... أو عادت مبادئ قنوتها.
طالت المدة أو قصرت... حمدان يحمل سماعة الهاتف... ويتصل بريم... ليخبرها بكل شيء... ريم كادت تطير من الفرحة... هل يعقل أن يمر السيناريو المخيف في حياتها... دون حدوث مشاكل... مع أنه هو السيناريو الأخطر... والذي تتوقع ريم أن يحمل كل المشاكل... قالت في لهفة... وأطيار سعادتها بدأت ترفرف حولها:
- " حمدان... ولماذا لا تأتي أنت وزوجتك... وتسكنون معنا في القصر؟"
- " أوه... هذا صعب ولكنني سأتدبر الأمر"
بدأ حمدان يحدث زوجته سلمى... عن التجارة التي يديرها في الرياض... أخبرها برغبته في الانتقال إلى هناك... كانت سلمى سعيدة بما علمت من نجاحه... ولكنها لم تبد رفضها أو رغبتها في الانتقال للرياض.
مرت ثلاثة أشهر... لم يكن لدى حمدان خيار... لقد قرر الانتقال إلى الرياض... سيدير أعماله وأعمال زوجته ريم من هناك... وسيقنع زوجته سلمى... بأن تجارته في الرياض بدأت تنمو وتزداد... ربما يولد الإنسان في أرض ويرزق في أرض أخرى... وحتما سيكون سكنهم في الرياض أكثر جدوى.
وبعد أشهر... أصبح لحمدان مكتب خاص... وهو من المكاتب الموثوقة في العقار والمقاولات... وثروة ريم تزداد وتزداد... مع تلك الصفقات الناجحة... ونصيب حمدان هو نصف المكسب... وأخيرا قرر حمدان شراء أرض سكنية خاصة... وعمارتها... وفي غضون ستة أشهر... كانت العمارة جاهزة... زف حمدان البشرى لزوجته الأولى... المنزل الجديد ملك لها وهو مكتوب باسمها... وقريبا سيكون السفر... لم يطل الوقت... حتى انتقلت أسرة حمدان الأولى إلى الرياض... كي ينضم أفرادها إلى أفراد الأسرة الجديدة... ولتبدأ حياة جديدة كلها أمل وسرور.
سلمت ريم للأمر الواقع... ونزلت متثاقلة من السيارة... بدا وكأن قدميها تحملان جبلاً كبيراً من الهموم... ومع باب المستشفى, ولجت ويدها في يد حمدان... المستشفى يبدو مصمما على الطراز القديم نوعا ما... ولكن تبدو النظافة والنظام مكتملين هنا إلى حد كبير... كان المرضى قليلين في صالة الانتظار... ذهب حمدان لموظف الاستقبال... وفتح ملفا... وسرعان ما دخل الزوجان إلى الطبيب.
القلوب ترتعد... والعيون معلقة بالسماء... ولكن لا حيلة... بدأ الطبيب في عمل الفحوصات... لقد أخذت العينات من الجميع في وقت واحد... وبعدها خرجا للصالون... لم تمر سوى ربع ساعة... كانت ريم منكسة لرأسها... منتظرة نزول الخبر التعيس... داخل غرفة الانتظار... وحمدان يجلس بجوارها... فتح الطبيب الباب وناداهما... كانت سحابة سوداء تعلو محياه... ويبدو عليه القلق... نظر حمدان لريم... بحزن... لقد أيقن أن تقاسيم وجه الطبيب لا تبشر بخير... ولكنه استجمع قواه وقال:
- " كوني على يقين بالله"
أمسك حمدان بيد ريم... ثم اتجها لغرفة الطبيب ودخلا... وبعد أن جلسا على مقعدين متجاورين... قال الطبيب:
- " تريدون أن أقول النتيجة الآن... أم تريدون... كلا على انفراد"
قال حمدان في قلق:
- " هل في الأمر خطورة"
- " لست على يقين... ولكن...هل أنتما زوجان"
- " نعم"
- " إذن يجب أن تعرفا النتيجة جميعاً... وفي نفس الوقت... للمصلحة"
هكذا قال الطبيب كلمته... وهكذا ألقت ريم بنفسها ثانية على المقعد... وهكذا تلاشت كل آمالها...
- " غروراً كنت أَعِدُ نفسي"
قال حمدان:
- " ما النتيجة يا دكتور"
- " أولا... نتيجة ريم... كل الفحوصات سليمة مئة بالمئة... سوى فقر الدم..."
جحظت عينا ريم... وصرخت من مقعدها قائلة:
- " والإيدز"
- " ...لا... لا... أنت سليمة جداً..."
جرس جميل... لكلمة جميلة...
- " أنت سليمة جداً"
بدأت الدنيا ترف وترف... أمام عيني الجالسة في استسلام... هناك على المقعد... تعانق أمالا كبيرة... وبدا لها وكأنها فراشة جميلة... والدنيا كلها ورود وزهور... وبدا لريم أنها في حلم... وأن حمدان عملاقٌ كبير... من الخير... وبدا الطبيب كمنحة عظيمة... كل شيء يصفق لهذه الكلمات الجميلة...
ابتسم حمدان في يقين... لقد كان في شبه قناعة... من إجابة الله للدعاء... الذي رُفع منذ ساعات.
نظر حمدان إلى الأعلى... وابتسم... وأغمض عينيه... ثم نظر بعد ذلك لريم... كاد يحملها على يديه... كي يطير بها... إنها سليمة من المرض... لقد استجاب الله الدعاء... مد يده لها... ووضعت يدها في يده... وانطلق متجها نحو الباب... لقد تناسى كل ما حوله... ولكن الطبيب قال مُهْتماً:
- " انتظر يا أستاذ"
هز حمدان رأسه متذكراً... ثم ابتسم للطبيب شاكراً... وواصل سيره... قال الطبيب باهتمام أكثر:
- " بقي نتيجتك"
- " نتيجتي؟ أوه... لا داعي لها"
- " يجب أن تعرف"
- " سليم إن شاء الله... أليس كذلك"
أطرق الطبيب للأرض... وتقدم نحو حمدان بهدوء... ثم أمسك بيده برفق... وأعاد النظر إليه بنظرات عطف... وبعدها قال:
- " لا أدري ماذا أقول لك"
سحب حمدان يده في عدم مبالاة... وقال:
- " ماذا تقصد"
- " هل تسافر للخارج... يا حمدان"
- " أسافر للخارج !... لا... لا... لم يقدر لي أن سافرت قط"
- " إذن... هل نقلت دماً من مكان ما"
- " ماذا تريد أن تقول... أنا مستعجل... هل تريد مالاً... سنعطيك مقابل البشارة... نعم أنت تستحق ذلك... لقد نسيت... اطمئن... سنعطيك ألفي ريال... هـ...هـ... بالطبع هي كافية لك... أليس كذلك"
- " يا أستاذ... يجب أن تفهمني... نتائج التحليل لديك غير مطمئنة... صحيح أنها لازالت في إطار الظن... والظن القليل"
... حملق حمدان في الطبيب... وقال في شيء من التوتر:
- " أنت مجنون... بلا شك... يبدو ذلك... أليس كذلك يا ريم"
قال الطبيب باهتمام أكثر:
- " أنت مؤمن يا حمدان... لا أدري ما أقول... ولكن سأكون أكثر صراحة معك... دمك لم يعط نتيجة دقيقة في اختبار الإيدز"
نظر حمدان في سخرية... وبدأ يقلب عينيه هنا وهناك ... ثم أردف:
كم كانت سخرية حمدان من هذه الكلمة... لقد اعتبرها نكتة سخيفة... بدأ ينظر لريم... ثم للطبيب... وابتسامته مرتسمة... ولكنَّ... تلك الابتسامة انكمشت بسرعة... عندما رأى الذعر مرتسماً على وجه ريم... لقد أدرك حقيقة ما تشعر به... أراد أن يقول كلمة لها... أراد أن يهدئ من روعها...ذلك الطبيب الواقف في صمت... لا يعرف القضية ولا أبعادها... وحمدان غير مصدق لشيء مما قيل... أما ريم فهي الضحية الأولى هنا... لقد وقع الخبر عليها كالصاعقة... أحست في قلبها بما يشبه انفجار القنبلة.
وبجوارها... تصنَّع حمدان ابتسامة أخرى... ليلقي بها في وجه الغارقة في همومها بجواره... اجتهد ليقول كلمة ما... ولكن لا فائدة... ريم ليست ريم... لقد تحولت إلى قذيفة من الرعب... لم يعد ثمة حيز يسع همومها... الباب أمام ذهولها مفتوح... والحياة أضيق من ثقب الإبرة... وغرفة الطبيب أضيق من كل شيء... ريم ولَّت الجميع ظهرها... وهربت للخارج.
لم يكن أحد ممن بداخل الغرفة قادراً على التنبؤ بما يمكن أن يحصل لهذه الهاربة... أكبر الاحتمالات في رأس حمدان أنها ستجلس قريباً... هناك في غرفة الانتظار... ولكن هموم ريم أكبر وأكبر... من أن تسمح لها بالوقوف أو الجلوس... استمرت على سيرها غير الطبيعي... حتى خرجت من باب المستشفى... لم تعد قادرة على التفكير... إنها ترى الدنيا محاطة بالضباب... نزلت مع تلك الدرجات... وأمام بوابة المستشفى... كان الطريق يمتد أمامها... إنه مشحون بالسيارات... الغادية والرائحة... ريم تسير أشبه بعمياء... ولحظة حاسمة جعلتها تنزل إلى الطريق... ولحظة حاسمة أخرى جعلت السيارة المنطلقة تقصد ذلك المخلوق... الذي لا يفكر في شيء مما حوله... وأخيراً سُمع صفير إطارات السيارة... وارتطمت السيارة بريم... الفتاة المترنحة من قبل... مع هموم قلبها... لتجعلها تترنح الآن... مع آلام رهيبة في بدنها... وإثر ذلك... سقطت على الأرض الصلبة.
وجه الدنيا الكالح... أصبح أكثر قتاما... بدا مليئا بالمتناقضات... ربما كانت ريم سعيدة أكثر... لو ماتت الآن... بين عجلات السيارة... حتماً سيكون الموت نعمة بالغة... لنزيف همومها المتراكمة... أمَّا لو قدر لها أن تصاب بعاهة مستديمة... بسبب هذا الحادث... فماذا يمكن أن يقال... ولكن بالتأكيد... ستكون حياتها مقطوعة من الابتلاءات.
وفي غضون لحظات... اجتمع الناس حول المرأة المنكوبة... كعادتهم... في التجمهر حول المصائب... حدثت جلبة كبيرة... بعدها نُقلت ريم على الأيدي إلى قسم الطوارئ... في المستشفى ذاته.
في الداخل... كان الطبيب يتحدث مع حمدان... ولم يعرفا شيئا عما حصل في الخارج... لقد أحس الطبيب بإشكالية الوضع بالنسبة لحمدان... وتأكد أيضا أنه لم يوفق في قول ما أراد قوله... أمسك بيد حمدان وسحبه إلى مقعد قريب... وجلسا ثم قال:
- " اعذرني... هكذا الأطباء... تمر عليهم حالات المرضى بالمئات... حتى يصبح المرض لديهم أمراً معهوداً... والموت أمراً طبيعياً... الطبيب يقال عنه ملاك الرحمة... وأظن أن الطبيب منزوع الرحمة... أظن... ومنزوع الشفقة أيضا... ربما كان الطبيب... في كثير من الأحيان... يتعامل مع الأمور, كما يتعامل العامل مع الآلات... تصدق... اليوم استقبلت خمسة حوادث مرورية... ضحاياها قرابة التسعة أشخاص... اثنان ماتا... وأربعة حالتهم خطيرة... وثلاثة خرجوا سالمين... الموت والحياة لم تعد تعني لي شيئاً كبيرا... اعذرني يا أستاذ حمدان"
- " إذن أنت تمزح"
- "لا... لا تفهمني خطأ... التحاليل سلبية... ولم تتضح نتائجها..."
- " إذن قل لي كل شيء... اشرح القضية... زوجتي الآن ليست هنا... ربما ذهبت لاستراحة النساء"
... فكر حمدان قليلاً في حال ريم:
- " ماذا تراها تفعل الآن... هل هي حزينة علي حالي... بالطبع هي حزينة... لاشك في ذلك"
ولكنه فكر بطريقة أعمق... ثم قال في نفسه:
- " ولماذا الحزن... ربما تكون سعيدة... لقد نجت من المرض العضال... هل شفاها الله وابتلاني... هل تحققت الرؤيا... الحمد لله على كل حال"
قال الطبيب:
- " النتيجة سلبية... أقصد أن التحاليل المبدئية لدمك لم تتجاوب... ولم يتبين أنك سليم من الإيدز... ولم يتبين أنك مصاب به... وبمعنى آخر هناك إشارات تدل على أنك مصاب... وإشارات تدل على أنك غير مصاب"
- " يا دكتور... ولماذا كل هذا؟... لمَ لم توضح الأمر من البداية"
- " لقد خانني التعبير... كما قلت لك... لم يعد لطبيب مثلي أن يراعي المشاعر... بقدر ما يقول ما يشاهده... ولكن... الحقيقة أن قلَّة من الناس... تكون تحاليلهم سلبية... ومع الإيدز بالذات... والقلة من هؤلاء القليل تخرج نتائجهم سليمة عند التحليل الدقيق... أرجو أن تكون من هؤلاء القلة"
- " وما الحل... أنا بإذن الله واثق من ربي"
- "المشكلة ليست كبيرة كما تتوقع... ولا يعني فقدان الأمل... عليك أن تتجه فوراً إلى أحد المستشفيات التي تمتلك أجهزة أكثر دقة... في تحاليل الإيدز... وسيعطي الاختبار نتائج واضحة... ومع كل ما قلته لك... فأنا واثق من كونك سليماً بإذن الله... لأنك مؤمن... المؤمنون... لا يبتليهم الله بهذا الداء... بإذن الله"
- " قل لي... أين توجد الأجهزة بالضبط يا دكتور"
- " الأجهزة... يا عزيزي... أنا متأكد من وجود هذه الأجهزة في الخارج"
- " الخارج؟"
- " ربما كانت موجودة هنا... في جدة... أنا أظن ذلك... ولكني متأكد من وجودها في لندن"
- " لندن... بدأت أشك فيك... لعل كثرة الحالات التي قابلتها اليوم أثرت فيك... ربما فقدت شيئا من عقلك؟!"
- " لا أبداً... ولكن... إذا كنت ميسور الحال سافر إلى لندن... وحاول معرفة الحقيقة... وإياك أن تهمل نفسك"
... وضع الطبيب كفه تحت ذقنه ثم قال:
- " أو انتظر... هناك فكرة..."
- " ما هي؟... قل لي أرجوك"
- " سأتصل بمستشفى الشفاء... إنه قريب جداً... وأذكر أني سمعت عن تطويرهم لجميع تقنيات المستشفى... وإذا تأكدنا من وجود الجهاز... فلا داعي للسفر"
- " ألم أقل لك... إنك فقدت عقلك... ولماذا كل هذه الهالة... ولماذا لندن... والخارج... أنا واثق من ربي... وواثق من سلامتي من المرض... بإذن الله"
- " أرجو ذلك يا أخ حمدان"
... رفع الطبيب السماعة:
- " آلو... ممكن قسم تحليل واختبار الدم"
- ..........
- " آلو... هل جهاز (.... ....) موجود"
- ...........
- " أبداً حالة سلبية مع التحاليل الأولية"
- ...........
- " جميل جداً... سأرسله لكم... ألف شكر"
نظر الطبيب إلى حمدان مستبشراً... وقال:
- " الجهاز موجود... والمستشفى كما قلت لك... قريب جدا... التحاليل والمشوار لن تأخذ أكثر من ثلث ساعة... إذا كان الطريق غير مزدحم... أرى أن تترك زوجتك هنا... ربما كانت في انتظار النساء... وتذهب بسرعة... كي تعود وأنت تحمل البشارة... إن شاء الله... أو خذها معك... ربما كان من المهم أن تتأكد بنفسها... أرجو لك التوفيق "
تذكر حمدان زوجته... لذا قال:
- " أوه... ريم... لا... لا ... أظنها ذهبت للسيارة"
...انطلق حمدان خارجا... وعندما اقترب من السيارة... نظر لمقعد الراكب...
- " أوه... ريم ليست في السيارة... هل أعود لاصطحابها... حتماً هي في استراحة النساء"
نظر حمدان لساعته:
- " ماذا يا حمدان... هل تعود لأخذها... أم... لا... لا... سأذهب لعمل الفحوصات... ستبقى هي هنا... أنا واثق من سلامتي... التحاليل السلبية لا تعني المرض... قليل من الوقت... وتكون البشارة معي... ربما كانت قلقة الآن... ليس من الأفضل مرافقتها لي"
مرت دقائق سريعة... انتقل خلالها حمدان إلى المستشفى المقصود... دخل سريعاً إلى الطبيب المختص... بدأت الإجراءات اللازمة... التي انتهت بجلوسه أمام الأجهزة المتطورة... أدخل حمدان يده مع فتحة صغيرة... أمام زجاج عاكس... ثم مد يده أكثر... أحس بوخز الإبرة في وريده... سحب يده... قال الطبيب:
- " هل تشكو من شيء"
- " كلا"
- " خمس دقائق... فقط... تستطيع البقاء على المقعد"
بدأت الدقائق الخمس في المرور... قرر حمدان قضاءها جميعاً في الذكر والدعاء.
بعد قليل من الوقت... أقبل الطبيب مبتسماً... ثم قال:
- الحمد لله... سليم مئة بالمئة"
- " مئة في المئة"
- " نعم يبدو أنك مررت بأزمات نفسية... أو إرهاق مفاجئ... لذا لم يتجاوب دمك مع التحاليل الأولية... منذ قليل... اتصل بي الطبيب الذي كنت لديه... الحمد لله على السلامة..."
- " نعم متأكد... ولماذا أنت خائف... سأعطيك جميع نتائج التحاليل"
- " ولكن يا دكتور... الأمر لا يكاد يصدق... الطب تطور إلى ما لا نهاية... وفحوصات الإيدز يسهل على أي طبيب معرفتها... أليس كذلك"
- " ليس بالضبط"
- " كيف... لم أفهم"
- " هل تستطيع أن تقول لي... منذ متى وُجِدَتْ أجهزة كشف المرض"
- " منذ سنين"
- " جميل... هل تستطيع إذن أن تقول لي... منذ متى وجدت أجهزة كشف المرض في مستشفياتنا"
- " لا أدري"
- " لقد وجدت في الحقيقة... منذ وقت ليس بالطويل... ولكنها دخلت بشكل بدائي... كأي صناعة أخرى... وعند دخولها وجد في بعضها ما يسمى بالفحص السلبي... في الحقيقة أن الأجهزة التي تعطي النتائج السلبية... هي أول ما صنع من الأجهزة... لفحص الدم عن فيروس الإيدز... صنعت أولاً في الدول الغربية... ثم استغنوا عنها... ووصلتنا متأخرة... كنا نستخدمها في هذا المستشفى سابقاً... ولكن بعناها منذ فترة... واشترينا الأجهزة الجديدة "
- " وأين ذهبت تلك الأجهزة القديمة"
- " بعناها... بسعر بخس... واشترتها بعض المستشفيات الصغيرة... إنها تقوم ببعض اللازم... يبدو أنك تورطت في الفحص لديهم"
- " لكن الطبيب في المستشفى... لم يقل لي هذا الكلام"
- " وماذا قال"
- " قال إن الأجهزة المتطورة لا توجد إلا في أوربا"
- " أمر طبيعي... إنه يريد مصلحته... ولا يريد الدعاية السيئة لأجهزته... لكن يبدو أنه كان ذكياً... عندما أرسلك إلي"
- " الآن فهمت كل شيء... كانت مصادفة غريبة... ولكن الأغرب توالي كل هذه المصادفات"
- " ماذا قلت؟"
- " أبدا... لا شيء"
خرج حمدان سعيداً من المستشفى... لقد كان يسأل نفسه
- " لماذا يحصل كل هذا... أمر غريب"
ولكن تفكيره الآن... كان منصباً على ريم:
- " لابد أنها الآن قلقة من أجلي... سأحمل لها الخبر السار... وينتهي الكابوس... وتعود المياه لمجاريها"
استقل حمدان السيارة... وعاد مسرعاً للمستشفى... وعندما توقفت سيارته... نظر أمامه... كان هناك بقايا من تجمع للناس... نزل من السيارة... أدهشته بقايا الدماء المبعثرة هنا وهناك... سأله أحد المارة:
-"ماذا حصل لها"
قال حمدان مستغرباً:
- " من؟"
- " المرأة التي صدمتها السيارة... منذ قليل"
- " امرأة؟ ... امرأة ماذا"
- " لا أدري... أظنها حُملت لداخل المستوصف"
بدأت الظنون تراود حمدان... يبدو أن قصة أخرى... ذات سيناريو آخر ستبدأ... لقد سئم من جميع هذه القصص... التي تتوالى كالمطر... في أقل من يومين:
- " أعوذ بالله... لا... لا... ليست ريم... ريم تركتها في استراحة النساء"
تذكر حمدان خروجها من غرفة الطبيب بسرعة... ومن يدري... قد تكون خرجت للشارع... وحصل أمر ليس بالحسبان... انطلق حمدان فزعاً للداخل... قابل طبيب الإسعاف... سأله بقلق:
- " ماذا حصل للمرأة"
- " هل أنت قريب لها؟"
- " لا أدري..."
- " لا تدري؟ كيف لا تدري"
- " أقصد لا أعلم... هل زوجتي... هي التي أصيبت... أم امرأة أخرى"
- " هل اسمك حمدان"
- " نعم"
- "هي تدعو اسمك من فترة"
- " ماذا... إذاً... هل تقصد... أن من أصيب في الحادث... ليس سوى ريم... هل تريد قول ذلك؟"
- " يمكنك أن تدخل الآن... هي عند الأطباء"
تحرك الطبيب منصرفاً... وبقي حمدان واقفاً... هكذا وقع الفأس... وانتهت كل الأحلام الجميلة... كانت نهاية أليمة... وربما كانت نهاية متوقعة... لتلك الأحداث غير المعقولة... التي ابتدأت منذ فترة قصيرة... هل ماتت ريم... أم أنها ستموت... هل قدرها يا ترى... في أن يحملها حمدان... إلى هذا المكان... لتموت فيه... لسبب بسيط... هو أن أجلها مكتوب هنا.
تذكر حمدان بسمتها الصافية... تذكر قصتها المأساوية كاملة... وتذكر القصر الجميل... أشبه بالدخان الكثيف... الذاهبون والقادمون تلاشوا جميعاً من أمام عينيه الذاهلتين... صورة كبيرة لريم ارتسمت في جميع الوجوه... ارتسمت وهي مبتسمة... وارتسمت وهي مغمضة العينين... وأخيراً تراءى لحمدان... أن روحها صعدت للسماء... الله... أغمض عينيه... لم يعد يرى شيئاً... ولم يعد يشعر بشيء... الحاضرون فقط... هم الذين أحسوا... ولكنهم أحسوا بسقوط إنسان... لم تكن إلا لحظات... اجتمعوا من هنا وهناك... ليحملوا حمدان... وكان أحد الأطباء ماراً بجوار التجمع... قال لهم بقلق:
- " أدخلوه غرفة الإسعاف"
وبعد لحظات... هاهو حمدان... إنه راقد على سرير أبيض... حالة إغماء... وبجوار السرير الذي يرقد عليه... يوجد سرير ترقد عليه امرأة... ويفصلهما ستار من القماش.
ريم على سريرها... تنظر بهدوء للسقف... ثم تغمض عينيها بشدة... إنها تعاني قسوة آلامها... ولكن شيئاً ما جعلها تنسى كل تلك الآلام... وجعلها تدخل في آلام من نوع آخر... لقد سمعت أحد الأطباء منذ قليل... كان يفحص المريض المجاور لسريرها... وكان يقول:
- " ما اسمه"
... أجاب طبيب آخر:
- " اسمه حمدان..."
لم تزل المعاناة القاسية... تفرض نفسها على ريم... في كل لحظة... ولكنها الآن أشد وأشد... ولم تكن لتعلم عن حقيقة ما أصاب حمدان... ولكن ذهنها ذهب إلى الإيدز... الإيدز الذي يطاردها فيروسه منذ سنوات... لابد وأن مرض حمدان قد تأكد... لابد أن حالته سيئة.
عادت الدموع تذرف وتذرف... من عينين حزينتين... وبعد لحظات... أفاق حمدان بهدوء... وبدأ يدرك الكثير مما حوله... ولكن الشيء الذي لا يعرفه... هو حالة ريم... ماذا أصابها بالضبط... وفي المقابل... كانت ريم, تعاني المعاناة نفسها... إنها لا تدري ماذا أصاب حمدان.
ستار قماشي فاصل... لو انزاح قليلا... من بين السريرين الأبيضين... حتما ستبين الحقيقة... وسيصبح الحلم واقعاً.
كانت ريم في حالة صحية حسنة جداً... لم يصبها من الحادث سوى كدمات بسيطة... إضافة إلى بعض الدم... الذي نزف من أنفها... وبعض الرضوض في يديها وقدميها... وستكون قادرة على القيام والسير... وحمدان بجوارها... لتوه أفاق من غيبته... إن صحته ممتازة... ولكن من يزيل الستار... ومن يحمل الخبر السار لريم، بأن حمدان سليم معافى, من الإيدز... كما أنها أيضاً سليمة منه... ومن يحمل الخبر لحمدان أن ريم سليمة بجواره... لا تعاني أي ألم... سوى ألم قلقها عليه.
خرج الأطباء من الستار, الذي يحيط بسرير حمدان... سمعت ريم صوت حمدان وهو من خلف الستار... كان صوتا متقطعاً محزوناً... بدأت أوصالها ترتجف... ودارت آلام القلق في بطنها ورأسها... ثم سحبت غطاء السرير بحزن على وجهها... تَمْتَمَتْ شفتاها بكلمات هامسة... لا أحد يدري ماذا قالت... والأرجح أنها دعت الله... لكن... هل دعته أن يقبض روحها... أم دعته أن يشفي زوجها... لا أحد يدري.
حمدان بجوارها هناك... عيناه تجولان... وتكادان تذرفان دماً... بدل الدمع... ولكنه لم يُخرج دمعة واحدة... لأن الدنيا جمدت في عينيه... ومع قلقه ذاك... وجد يده تتحرك... لتسحب غطاء السرير... كي يغطي وجهه الشاحب... ومن تحت الغطاء... بدأت شفتاه تتحركان... لا أحد يدري بماذا كان يتمتم.
الحبيبان راقدان... وآلامهما تعتصر قلبين احتملا ما لا تحتمله الجبال... والحقيقة التي احتملا من أجلها كل هذه الهموم... كانت خافية عليهما... وليس بينهما وبين الحقيقة... سوى ستار من قماش... ولكن من يسحب الستار... من؟؟.
هكذا تكون حقائق الدنيا دائما... حقائق رهيبة... يجهلها البشر... وليس بينهم وبينها سوى حاجز رقيق... ولكن من يجرؤ دائما على كشف الستار.
وهناك... وعلى السرير الأبيض... عزمت ريم على كشف الحقيقة... وماذا يضيرها لو ألقت نظرة أخيرة... على زوجها... قبل أن يموت بجوارها... من داء الإيدز... ثم لا تجد بداً من اللَّحاق به... حسرة وكمداً... هكذا قالت الرؤيا!! أو هكذا أوَّلها الشيخ.
امتدت اليد المرتجفة... جهة الستار... كانت تتقدم مرة وتتأخر أخرى... ولكن... لابد من الشجاعة والإقدام... وبعد كرَّات وفرات... أمسكت ريم... بطرف الستار... وبدأ الستار ينزاح.
شعر حمدان بحركة الستار... وقام من رقدته... وبدأ يزيح عن وجهه الغطاء...
ريم تراقب من طرف الستار المتحرك... وترقب بكل اهتمام... تلك اللحظات القادمة... التي حتما ستكون ثقيلة وقاسية... وتعالج داخل مشاعرها... همومها الأثقل... لكنها تواصل سحب الستار.
وهناك... وعلى بعد خطوات... تبدو الصورة المذهلة... ويبدو وجه حمدان... تماماً هو كفلق الصباح.
لم يشأ حمدان... أن يركِّز النظر في ساحبة الستار... لقد عرف أنها امرأة... لمجرد رؤيته ليدها...ولكنه لم يعرف من تكون تلك المرأة... أما ريم... فقد رأت وجه حبيبها... وهو متجه ببصره لأعلى... إنها النظرة الأخيرة بالنسبة لتصوراتها... دققت النظر فيه... وحُزنها يلهبها... لم ينظر هو إليها... قالت في أسف شديد:
- " حمدان"
سمع حمدان الصوت... شعر بما يشبه الكهرباء... ولكنها أحلام وأوهام... ريم لابد وأنها في غرفة العناية الفائقة... هكذا خيل له عقله... مال برأسه ناحيتها... بدأ يدقق النظر... دقق النظر ثانية وثالثة.
الحلم بدا حقيقة... وريم بدون سابق نذير... راقدة بجواره... عينه في عينها... وعينها في عينه... هل هو في حقيقة أم خيال... أراد أن يضحك... ولكن لا يدري كم عظما من عظامها هشمته السيارة... وكم هي غائرة تلك الجروح في جلدها... أرادت هي أن تضحك... ولكن كيف تضحك... والفيروس الذي صُنع في بدنها... صُدِّر إلى بدن حمدان... من دون رسوم أو ضرائب.
نظرات الأعين رفضت أن تصمت... لقد بدأت تعبر بمعاني أخرى... إنه تعبير بشيء هو أبلغ من الكلام... كل منها كان يتنعم بنظرات الحنان... التي يلقيها إليه الآخر.
فهمت الأعين الكثير والكثير... وبدأت تذرف الدموع... والألسن في أماكنها... تشكو ما يشبه البكم... ولم تتمالك بقية الأطراف نفسها.
وفي لحظة حاسمة... تحركت الأطرف... وقام حمدان ملقياً بالغطاء خلفه... وقامت ريم ملقية بالغطاء خلفها... شعور قدسي... يفيض به قلب محب مخلص... وفي لحظة واحدة... ترك الزوجان سرير المرض وقاما.
لا أحد منهما يدري ماذا يعتمل في نفس الآخر... ولكن الأعين تحدثت بما فيه الكفاية.
ريم واقفة بجوار سريرها... وحمدان واقف بجوار سريره... وعندها صرخ الزوجان... في لحظة خالدة... كان حمدان يقول:
- " يا ريم "
وكانت ريم تقول:
- " يا حمدان"
اختلطت الأصوات... وألقى كل منهما بنفسه على صدر الآخر.
عناق طويل... ربما كان الأخير... من وجهة نظر كل واحد منهما... خمس دقائق تمر مرَّ السحاب... ويعود حمدان... لينظر إلى ريم... ثم يقول:
- " ألم تصابي بسوء... من جراء الحادث"
ذرفت دموع ريم... ثم قالت:
- " ماذا فعل بك الإيدز...يا حبيبي"
وفي لحظة حرجة جداً... انفجرت ريم ببكائها... وانفجر حمدان ببكائه.
الطبيب المسئول عن حالة الإغماء... التي دخل فيها حمدان...كان منتبهاً لكل شيء... وكان يستمع لما يدور... من خلف الستار... لقد بقي هناك... لأنه كان يخشى أي مضاعفات للوضع... ولكنه الآن قرر أن يتدخل... ولو لم يستدع الأمر.
استأذن من خلف الستار... ثم دخل وهو يقول :
- " يا أخ حمدان... ريم على أحسن حال... إنها سليمة جداً ومعافاة... وتستطيع الخروج من المستشفى الآن..."
هدأت كل آلام حمدان... واطمأنت نفسه... لهذا الخبر... كانت كلمات الطبيب برداً وسلاماً على فؤاد حمدان... ولكنها لم تكن كذلك... بالنسبة لريم... لقد حفرت جرحاً غائراً في فؤادها... لقد تأكد لها أنها سليمة... في الوقت الذي يسير حمدان فيه... نحو الهاوية... وما قيمة سعادتها يا ترى... إذا فَقَدَتْ حمدان... وما معنى الحياة عندها... إنها أقرب للسراب... للوهم... للخرافة... قالت بشفتيها الذابلتين:
- " أرجوك... سامحني... يبدو أن العدوى أصابتك... لا أدري كيف... أرجوك سامحني"
- " عدوى ماذا"
- " عدوى المرض اللعين"
ازدادت زفرات ريم... وخلف الستار... كان ثمة العديد من الممرضات... وبعض الأطباء... لم يكن الوقت ملائماً لحمدان... ليتحدث معها عن أي شيء... ابتسم لها وقال:
-" اطمئني"
قال الطبيب:
-" تستطيع الخروج... يا حمدان... أنت على ما يرام"
ابتسم حمدان... وقال شاكرا:
- " إذن هيا نخرج"
ريم قالت فيما يشبه التسليم الأبله:
- " هيا"
قامت لفتاة المتثاقلة... وارتدت جميع ملابس حشمتها... وانطلقت مع زوجها... بعيداً عن الأسرَّة البيضاء.
ابتسم الطبيب الذي عمل لهما فحص الدم... عندما قابلهما في أحد الممرات وقال:
- " مبروك... لقد اتصلت بالمستشفى الذي أرسلتك لهُ وأخبرني بالنتيجة مبروك... الحمد لله جاءت سليمة... وزوجتك أيضاً جاءت سليمة"
قال حمدان:
- " من الأول هي سليمة... ولكن أنت سامحك الله... أنت كدَّرتها"
قال الطبيب
- " بعد أن خَرَجَتْ ريم من الغرفة... انطلقت للخارج... لم نعلم عنها... لا أنا ولا أنت... وارتطمت بالسيارة... الحمد لله... لم تصب بأي أذى... اللهم نزيف من الأنف... عند سقوطها على الأرض... سبحان الله... قصة غريبة... ولكن على كل حال... جاءت سليمة"
قال حمدان في نفسه:
- " ليتك تعرف القصة من أولها... إذن لدهشت"
- " الحمد لله... جاءت سليمة"
لازالت ريم أثناء ذلك متأثرة جدا... بسبب ما سيعانيه زوجها... وبعد أن ركبا السيارة... قال لها:
- " مبروك .. ألف مبروك أنت سليمة"
- ...
- " لماذا لا تباركين لي"
- " بماذا"
- " جميع التحاليل التي أجريت لي... كلها سليمة مئة بالمئة"
قالت في دهشة:
- " وكلام الطبيب... والإيدز"
- " الطبيب توهم فقط... يبدو أن آثار القلق التي بدت علي... لم تجعل الدم يتجاوب بالطريقة الملائمة مع التحاليل... وتعلمين التحاليل هنا بدائية... وقد تسرَّع سامحه الله في الحكم... وأيضاً في طريقة إيصال الخبر... صحيح أنه لم يجزم بالمرض... ولكن... عرضه للمسألة... كان بطريقة أبعد ما تكون عن اللباقة... وأنت خرجت هداك الله... ولم نعرف عنك شيئا"
نظرت إليه ثم اقتربت منه أكثر... وقالت:
- " هل أنت جاد فيما تقول"
- " نعم يا حبيبتي "
- " اللهم لك الحمد... يا رب العالمين..."
-" هيا اعتذري عن خروجك"
ابتسمت ريم وهي تقول:
- " آسفة... والله لم أستطع أن أتمالك نفسي... كدت أجن... ولكن ماذا حصل بعد أن خرجت"
- " أوه... لقد أرسلني الطبيب... إلى مستشفى قريب... توجد فيه أجهزة أكثر تقدماً... وعندما فحص الطبيب دمي... تصوري... ضحك... وقال:
- " أنت أصح مني... بكثير"
- " الحمد لله... الحمد لله... الحمد لله يا رب"
- " سنقضي الليلة في مكة... وغداً... سيكون عندنا سفر"
- " سفر...؟ إلى أين"
- " ما رأيك... سنسافر إلى لندن... للنُّزهة أولاً... ثم لعمل فحوصات نهائية ثانيا... يجب أن نطمئن يا زوجتي... وبعدها... سأصبح زوجك فقط... وليس أبوك... أو صديقك"
مضى اليوم التالي... ومضى اليوم الذي بعده... بالطبع على أفضل ما يرام... ولم يحصل فيهما أي أحداث غير متوقعة... وبعدها ذهب الزوجان... إلى المطار... بعد أن تمت رتيبات الحجز بسهولة... سيكون السفر بعد ساعتين... إلى لندن... جلس حمدان مع زوجته في مطار جدة... يتنقلان بين مطاعم الوجبات السريعة... كانا يتذوقان من كل مطعم شيئا من وجباته... وكانا يتحدثان في كل ما جال في خاطريهما... ويقضيان وقت الانتظار بكل هدوء... مر الوقت سريعا... وأخيرا... هاهما جالسان مع جميع ركاب الطائرة... بعد قليل... ستبدأ الرحلة إلى لندن.
مر الوقت... وها هي الطائرة تقطع كل تلك المسافات... وأخيرا هاهو نبأ الوصول... نزل حمدان وزوجته للمطار... استقلا سيارة.... ومن مطار لندن مباشرة... إلى أكثر المستشفيات تطوراً... وهناك... عملت التحاليل... وكانت سليمة... واطمأنت القلوب أكثر... خرج الزوجان من المستشفى... وذهبا لاستئجار سكن.
سوف تكون الأيام القادمة فرصة مناسبة للنزهة والاستجمام... وبعدها ستكون العودة للرياض.
حمدان قال كلمة غريبة... سبحت في بحرٍ من مشاعر ريم المتلاطمة... وبدت مخيفة لها... إلى أبعد الحدود... هل ستكون تلك الكلمة... بداية سيناريو جديد... لقصة أكثر غرابة وإثارة... كم كان الأمر جميلاً... لو لم تسمع ريم تلك الكلمة... ولكن فضول حمدان... يدفعه لمعرفة طيات السر الكبير... في حياة ريم... أبعاده العميقة.
قال حمدان لريم مبتسما... بعد أن أمال رأسه قليلا نحوها... وهو يقود السيارة المستأجرة.... متجهان من مطار الرياض إلى منزل ريم.
- " ريم... هناك أمر مهم... مهم جدا... ريم... يجب أن أعرف سر التحليل الأول... الذي قمت به... لست أدري... كيف أصبحت سليمة... بين عشية وضحاها... أليس الأمر يدعو للتأمل"
- " أي تحليل..."
- " تحليل الدم... الذي قمت به مع زوجك الأول... بالتأكيد... هناك سر عميق... لا يعرفه أحد سوى ذلك الزوج... والطبيب الذي أجرى التحليل"
- " حمدان... أرجوك... دعنا من هذا الآن... يا حمدان... يجب أن ننسى"
- " كلا... لابد أن هناك مجرماً ما... حَكَم عليك بكل هذا العذاب... ويجب أن أعرفه"
- " لكن ليس الآن... ليس هذا وقته"
- " أوه... كم أود أن أذهب إلى المستشفى... الذي أجريت فيه تلك التحاليل... منذ خمس سنوات... ما رأيك يا حبيبتي في أن نذهب الآن"
- " الآن!!. أوه... تأتي من السفر إلى المستشفى... أنت تفكر بطريقة غريبة"
- " ضميري يعذبني... لقد عشت متناقضات جعلتني أحترق بحثاً عن الحقيقة... يجب أن أعرفها"
قالت ريم فجأة:
- " انظر... تلك اللوحة... التي على بعد 200 متر إنها لوحة المستشفى... ولكن... أرجوك... لا تتأخر عن خمس دقائق... الحمد لله أنه على الطريق... صُدْفة غريبة... ولكنها ليست بأغرب من بقية المصادفات"
نظر حمدان لريم مستجديا... ثم قال:
- " والآن... يا ريم... ستنزلين معي"
- " مستحيل... هذا مستحيل يا حمدان... لن أنزل معك أبداً... أرجوك لا تتعب نفسك في هذا الموضوع"
- " بل أنا أرجوك"
- " لماذا! هذا أمر صعب على نفسي... صعب جدا"
- "اسمعيني يا ريم جيدا... يجب أن نقوم بعمل تحليل... في المستوصف نفسه... وعند الطبيب نفسه "
فكرت ريم قليلا... ثم هزت ريم رأسها موافقة... في حين أوقف حمدان السيارة... عند باب المستوصف... ونزل هو وزوجته... وعندما دخلا عند طبيب الدم... قال حمدان لريم:
- " هل هذا هو... الـ"
- " لا يا حمدان ليس هذا"
نظر الطبيب إليهما... وقال:
- " من تريدان؟... يبدو أنكما تبحثان عن شخص ما"
أجاب حمدان:
- " نعم... طبيب كان هنا... مختص في تحليل الدم... منذ خمس سنوات كان هنا... أين هو الآن"
- " أوه... الدكتور محجوب... الدوام لله... إيه... لقد مات منذ زمن... رحمه الله... مات في حادث سيارة... رَحَلَ هو وثلاثة من أولاده"
- " ماذا؟... هذا مؤسف... يرحمه الله... ولكن قل لي... هل من الممكن عمل فحوصات للدم... لديكم"
- " نحن في خدمتكم"
قام الطبيب مبتسما... لعمل إجراءات تحليل الدم... أخذ عينات الدم... وطلب منهما الانتظار في الخارج... وبعد ربع ساعة خرج الطبيب إليهما مبتسماً... وقال:
- " سليم مئة في المئة... يبدو أنكما عريسان... مبارك... ألف مبارك"
خرجت دمعتان من عيني ريم في حين قال حمدان:
- " يا دكتور... هل تستطيع مساعدتي في أمر ما؟"
- " تفضل... نحن في الخدمة"
- " هل أستطيع الحصول على نتائج فحص... أُجري لديكم منذ خمس سنوات... هنا... في المستوصف"
قال الدكتور وهو يتجه لمكتبه:
- " نعم... بسهولة... باسم من كان التحليل؟"
- " باسم ريم سعد المساعد"
- " الأمر سهل... نأخذ السجل الذي كان يرصد فيه الطبيب السابق... منذ خمس سنوات... إنه في هذا الدولاب... قريب هنا... ونبحث فيه... ولكن هل تذكرون التاريخ؟"
قالت ريم:
- " نعم... أظن في شهر (3)"
بدأ الطبيب بحثه... ولفترة قصيرة... ثم قرأ اسم ريم... قال:
- " ريم سعد المساعد"
- " نعم... ماذا تقول النتائج"
- " لاشيء... سليم جداً..."
قال حمدان:
- " ماذا... سليم!"
أردفت ريم... وهي تضع يدها على رأسها:
- " مستحيل"
قال الطبيب:
- " كل شيء مكتوب"
تقدم حمدان نحو الطبيب... وتبعته ريم... وبدءا يقرءان النتائج... كانت النتائج سليمة... أعادا النظر ثانية لبعضهما... ثم اتجها إلى الخارج... لكن الطبيب دعاهما:
- " الحساب يا أخ... خذ هذه الورقة... لتعطي المحاسب"
- " أوه آسف"
أخذ حمدان الورقة... وخرج... وبعد أن دفع الحساب... انصرف خارجا... وعند باب المستشفى أمسك بيد ريم... ولكنه تذكر شيئاً مهماً... عاد ثانية للطبيب... وسأله:
- " هل من الممكن الحصول على فحوصات شخص آخر... إنه الشاب الذي أجرى الفحوصات وقتها... مع ريم زوجتي "
-" ما اسمه"
- " سالم بن مشاري العواد"
بدأ الدكتور في البحث... إنه يقلب الأوراق مستغربا... قال بعد ذلك:
- " لا يوجد أحد بهذا الاسم"
حك حمدان رأسه في استغراب... لقد كان في ذهنه احتمال ما... عن سبب كل هذه المشاكل... ولكنه تلاشى الآن... حين لم يكن لزوج ريم السابق أي تقرير... خرج حمدان... كانت ريم تنتظره بجوار الباب... أمسك بيدها واتجها للسيارة... وبعد أن ركبا... قال حمدان:
- " ما رأيك... في الموضوع"
- " غريب... مدهش حقاً... ولكن الحمد لله... يجب أن ننسى كل شيء"
- " كلا... بل يجب أن أعرف الحقيقة... الحقيقة مهمة لأبعد الحدود"
- " ليس ثمة حقيقة... ولا خيال... يجب أن تريح رأسك... وتريح أعصابي... أرجوك"
- " لكن الطبيب مات... وزوجك السابق لا يمكن الاتصال به... جميع الأبواب مغلقة... ولكن... يجب أن أعرف السر"
- " يجب أن نغلق هذا الباب وننساه... كفى يا حمدان"
- " كلا... ليس حمدان من يستسلم"
- " سبحان الله... لم أكن أتوقع أنك بهذا الإصرار... وبهذه الجدية... صدقني... أنا فخورة بك... ولكني خائفة عليك"
- " لا... أنا أعجبك... في المواقف الصعبة... ولكن... ما رأيك أن نتحدث في أحاديث خارجة عن إطار المرض... والموت... والصحة... والمستشفيات... لقد حرمتنا الكثير... من لحظات الحب"
- " نعم... هذا ما أريده بالضبط... وسننسى يا حمدان... ما تسميه بالسر"
- " لا... لا... أمر السر دعيه لي وحدي... وسأصل إن شاء الله لكل ما نريد"
بدأ حديث من نوع آخر... أقرب للشعر... وما هو بشعر... ولكنه شعور المحبين... تتناقله قلوبهم في صفاء... وتترجمه الشفاه الصادقة... وقريباً... وصلت سيارتهم للمنزل... استقبلهم أهل المنزل بكل سرور... وحُملت الأخبار السارة إلى الأم... التي بدأت تنصت لكل كلمة يقولها حمدان... أو تعليق تذكره ريم... كادت الأم تبكي... وكادت تنفجر بالضحك... ولكن الأيام الخالية... قد علمتها كيف تضبط نفسها في كل المواقف... الأنس والبهجة... هما عنوان تلك الجلسة البديعة... والسرور كله اجتمع بين أولئك الأشخاص الثلاثة... وبقي السر... السر الذي يجول في ذهن حمدان.
لم يذكر حمدان ولا زوجته... أيما خبر عن الزوج السابق... ولا عن الطبيب الأخير... هذه الأحداث فقط هي التي تحفَّظ حمدان عن ذكرها... وعندما أرادت ريم التحدث بها... أشار إليها بالسكوت... سأل حمدان العجوز:
- " هل من أخبار جديدة... يا خاله"
- " لا... ليس ثمة أخبار... هناك في الواقع خبر واحد... فقط... قرأته في الجريدة اليوم... الله المستعان... ولله الدوام"
قامت الأم في اتزان... وأحضرت الجريدة... كانت تقول بصوت حزين:
- " زوجك السابق يا ريم... توفي ليلة أمس... وهنا نعيه في الجريدة... رحمه الله... الموت... كتب على الكبير والصغير"
قام حمدان وتناول الجريدة... وقرأ الخبر بسرعة... ثم طأطأ رأسه لأسفل:
- " يا لخيبة الأمل... لقد أقفل آخر باب يمكن من خلاله معرفة الحل... لذلك اللغز الصعب"
مرت تلك الليلة رائعة هانئة... ومع إشارة عقاب الساعة للواحدة بعد منتصف الليل... كانت الأنوار تطفأ... في نوافذ القصر... الليل حالم جميل... ومع بزوغ نور الصباح... كان حمدان عائدا من صلاة الفجر... دخل للمنزل الكبير... كان يحدث نفسه:
- " سبحان الله... من يصدق أنني أصبحت من سكان هذا القصر"
اتجه حمدان لغرفة نومه... كانت ريم واقفة تصلي... ابتسم في سعادة... وبدأ يحدث نفسه:
-" الله... كم يشعر المؤمنون بالسعادة... وهم في خلوة مع ربهم... لكنها الصلاة... النعمة الكبيرة"
أنهت ريم صلاتها... ثم اتجهت نحو حمدان... قال حمدان:
- " ما رأيك... أن نقضي ساعات الصباح الأولى في الحديقة"
- " أوه فكرة رائعة... لم يقدر لي منذ سنوات... أن استمتعت بهدوء الصباح... في حديقة المنزل"
- " معقول... لا أصدق"
- " نعم منذ وفاة والدي... ولكن... الحمد لله... ها أنذي أعود لها... مع زوجي "
مر الوقت سعيدا في الحديقة... ومع حلول الساعة السابعة... نظر حمدان إلى ساعته... ثم قال:
- " أنا سأذهب الآن "
- " إلى أين"
- " هل نسيتِ؟... الأرض... سوف اشتري الأرض التي تحدثنا عنها مسبقا... لقد سألت عنها بعض المكاتب الاستشارية "
- " ماذا... وهل صدقت كلامي في الأرض؟"
-"كنت أعلم أنك تمزحين... ولكني أخذت الأمر بجدية... المشروع ناجح"
ابتسم حمدان لريم ثم انصرف... مر قليل من الوقت وعاد حمدان... ريم لا زالت في الحديقة والساعة الآن تشير للعاشرة... بدأت الأم تنادي:
- " هيا... الفطور يا أولاد "
أمسك حمدان بكف ريم... ودخلا سويا... كان الفطور المعد رائعا... وبعد انتهاء الفطور... جلس الجميع لتناول الشاي.
أثناء تلك الجلسة طُرق جرس المنزل... قامت الأم... واتجهت نحو السماعة الداخلية... ثم قالت:
- " من؟ "
أجاب الخادم من الخارج:
- " هنا رسالة أحضرها البريد... مسجلة... يريد صاحب البريد توقيع أي أحد"
- " سآتي للتوقيع"
- " ماذا يا خالة؟"
- " رسالة... ويريد صاحب البريد التوقيع"
- " عليك أن ترتاحي... سأستلمها أنا نيابة عنك"
خرج حمدان ليستلم الرسالة... وبعد أن تناولها قرأ العنوان بسرعة... لقد كتب عليها:
( تُسلم ليد ريم بنت سعد المساعد)
أخذها حمدان... ووقع في المكان المطلوب... ودخل... وعند دخوله للصالون ألقى التحية... ثم ناول ريم الرسالة قائلا:
- " تفضلي... اقرئي"
- " ما هذا؟"
- " لا أدري رسالة لك"
- " ممن تكون؟... غريب!"
- " اقرئيها..."
-" من متى وهناك رسائل تصل إلي يدويا... الرسائل تصل إلى الصندوق... افتحها يا حمدان... واقرأها... لا يوجد أي أسرار بيننا "
فتح حمدان الرسالة... تمالكته الدهشة ذاتها… التي لم تزل تتمالكه في الأيام الماضية... بين كل لحظة وأخرى... قالت ريم:
- " ماذا يا حمدان؟... خير"
- " هذه رسالة... من زوجك السابق"
- " ماذا؟... زوجي السابق... وماذا فيها؟"
بدأ حمدان يقرأ بصوت مرتفع... والأم وريم تستمعان:
(بسم الله الرحمن الرحيم... إلى ريم العزيزة... هاهو الموت يدب في أطرافي... وهاهو جسدي أصبح ملكاً للآلام والأوجاع... إنها تصنع به الكثير... وهاهي شمس حياتي تشارف على الغروب... لم يخطر ببالي ذات يوم... أن أجني على أحد... ولكني للأسف... جنيت... وكانت جنايتي أقسى من أي جناية... جنيت على من أحببتها... نعم... جنيت عليها لأنني كنت أنانيا... بكل ما تعنيه الكلمة... وأحب نفسي أكثر من حبي للآخرين... لقد كنت مخدوعا.
لكن الغدر لا يبقى... والخداع لا ينفع... أبدا... خاصة لرجل يتربص به الموت, أقرب الطرق... عزيزتي... كتمت السر عنك سنينا... وعن كل الناس... حتى أنهكني المرض... لم أذهب لطبيب ولا معالج... لأن المرض الذي حملتُه... لا يدعوا الناس إلى الشفقة بحامله... وإنما إلى اتهامه... لم أكن أعلم أنك عشت حياتك منذ أجرينا الفحوصات قبل سنوات... منعزلة تنتظرين الموت... كنت أظن أنك ستتأكدين من سلامتك... عند طبيب آخر... ولكن لم يحصل ذلك... لقد علمت فقط منذ أيام... منذ أن أخبرني ذاك الرجل الذي طلبتي منه تقصَّي أخبار زوجك الجديد... سألته:
-" ألم تتزوج إلى الآن؟..."
قال لي:
- " لا… يبدو... أنها مريضة... ومرضها خطير... "
علمت ساعتها أنني مذنب... وأنَّ علي إخراج السر الدفين... قبل أن أموت.
ها أنذا أكتب رسالتي هذه... وأنا أشعر بالموت... ولكن لا يهم أبدا... إذا متُّ وقد أمَطْتُ عن عنقي حِمْلا ثقيلا.
القصة باختصار يا ريم... أنني سافرت... قبل الزواج... إلى دولة أجنبية… وسقطت هناك في حبال الشيطان... وعملتُ من الفواحش الكثير... ثم تُبت... تبت هناك... بعد أن احتقرت نفسي.
وعندما عزمت على الزواج... لم أكن أتوقع أبداً أنني مريض بهذا الداء... كانت حياتي وصحتي مستقرة جداً... ولكن الفيروس كان يسكن في دمي دون أن أشعر.
وعندما ذهبت أنا وأنت لعمل الفحوصات... لم يكن ذلك مني سوى تسلية... وقيام بروتين يقوم به كل الناس الراقون... والمتحضرون في المجتمع... للأسف كانت تحاليلك سليمة... وتحاليلي هي: (مصاب بالإيدز)... لم أحتمل نفسي... ولم أحتملك... ولم أحتمل الحياة... خشيت من الفضيحة والعار... خشيت على مركزي وسمعتي... خاطبت الطبيب بهدوء... وقلت له:
- "(خذ... هذا شيك بعشرة آلاف ريال... لا تخبر أحداً أني مصاب... ولا تكتب اسمي ولا نتائج التحليل لديك)"
كنت أخاف أن تسأليني أو تحققي معي... لأني عزمت على تركك للأبد مع حبي الجامح لك.
قال لي الدكتور:
-" (الأمر بسيط... لا داعي للفلوس)"
قلت له:
-" (الفلوس ليست فقط للصمت عن الموضوع... وإنما لتقول لهذا المرأة (أنت مصابة بالمرض)"
تفاجأ الطبيب... وقال لي:
- " (هذي مسألة ضمير)"
- " (أغريته بثلاثين ألف ثم بخمسين... وكَتَبتها في شيك... ثم أكَّدْت له... أنك ستُجرين فحوصات عند أي طبيب آخر... وستعلمين النتيجة الصحيحة... وقلت له:
- " أنا أريد المبرر في تركها... دون أن أقع في الحرج"
قال لي ساعتها:
-" هذه مسؤولية "
قلت له:
- " بسيط لا تكتب في أوراقك هذه... أن ريم مصابة... لن يُمْسَك عليك أي شيء... وإذا سُئلت من قبل أحد فقل له... يبدو أنها فهمت خطأ... وهذا يثبت كلامي... وأرهم ساعتها جميع أوراقك"
وافق الطبيب في النهاية... وخرجت... ورأيتك... أردتك أن تكرهيني... ولا تفكري فيَّ أبداً... وتبدئي حياتك من جديد... ولكن للأسف لم يحصل شيء من هذا.
نخر المرض جسمي لمدة خمس سنوات... ولم أعرض نفسي على أي طبيب... وها أنذا أموت... أرجو لك السعادة"
أغلق حمدان الرسالة... وتناثرت العبرات من الجميع... وعم السكون جوانب المكان... إلا من الشهيق... وعُرف السر... وطوي الفصل الأهم من هذه الحادثة الغريبة.